كتب: مصطفى على
يُعد الأزهر الشريف، الذي تأسس قبل أكثر من ألف عام في قلب القاهرة، رمزًا من رموز الحضارة الإسلامية وعلمًا من أعلام التنوير الديني والعلمي، ليس فقط في مصر، بل في العالم الإسلامي بأسره.
على مر العصور، كان للأزهر دور محوري في نشر المعرفة، وتطوير العلوم الشرعية والدينية، والدعوة إلى التعايش وقبول الآخر، مما ساهم في تشكيل ملامح الإسلام الوسطي وتعزيز قيم التسامح والاعتدال.
تأسس الأزهر الشريف في العهد الفاطمي عام 970 ميلاديًا ليكون في البداية مركزًا للدعوة إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي الذي كان مذهب الدولة الفاطمية.
إلا أن الأزهر تطور على مدار التاريخ الإسلامي وتحول إلى منارة للفكر السني.
ومع مرور الزمن، استطاع الأزهر أن يجمع بين التنوع المذهبي والتوجهات الفكرية المختلفة، ما عزز من مكانته كمرجع ديني يُحتذى به، وفتح أبوابه أمام الطلاب من شتى أنحاء العالم الإسلامي لدراسة مختلف المذاهب والفكر الإسلامي.
العهد الفاطمي
بدأ الأزهر الشريف كمؤسسة تعليمية ودعوية أسسها الفاطميون بعد فتح مصر ليكون مركزًا لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، ودعوة الناس لهذا الفكر.
سُمّي المسجد بهذا الاسم نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، التي يُعتبرها الشيعة نموذجًا للعفة والفضيلة.
خلال العهد الفاطمي، كان التعليم في الأزهر قائمًا على تعليم العلوم الشرعية والفقهية التي تنتمي إلى المذهب الإسماعيلي.
وساهم هذا العصر في تطوير العديد من المفاهيم الفكرية والعلمية، حيث وُضع أساس التعددية الفكرية في العلوم الدينية، كما أُنشئت المكتبات الأولى التي ضمت مخطوطات وكتبًا ثمينة في مختلف العلوم، مما جعل الأزهر مؤسسة دينية وعلمية متكاملة.
التحول إلى المذهب السني في العهد الأيوبي
بعد سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية في القرن الثاني عشر الميلادي، تحول الأزهر إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وتبنى المذاهب السنية الأربعة، وهي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.
كان صلاح الدين الأيوبي هو من قاد هذا التحول، حيث سعى لإعادة تأسيس الأزهر كرمز للفقه السني ومركز لنشر المذهب الأشعري، الذي أصبح فيما بعد من المذاهب العقائدية الرئيسية في الأزهر.
شهد هذا العصر أيضًا توسعًا في التعليم الديني، مع التركيز على علوم القرآن والتفسير، والحديث، والفقه، إلى جانب العلوم العقلية التي شملت الفلسفة، والمنطق، والفلك، والطب.
وأصبحت هناك نظرة شاملة في التعليم، حيث يُدرّس الطلاب مختلف العلوم الإسلامية بجانب بعض العلوم الإنسانية والطبيعية، مما جعل الأزهر في هذا العصر منارة علمية يتوافد إليها طلاب العلم من جميع أنحاء العالم الإسلامي.
العصر المملوكي والعثماني
شهد الأزهر خلال العصور المملوكية والعثمانية ازدهارًا كبيرًا، وأصبح مركزًا رائدًا للعلوم الدينية والتعليم.
توسعت في هذه الفترة مناهج الأزهر لتشمل العلوم الفقهية بمذاهبها المتعددة، بالإضافة إلى العلوم اللغوية والفلسفية والعلوم الطبيعية مثل الطب والفلك.
ازدادت مكانة الأزهر ليصبح جامعة إسلامية شاملة يقصدها الطلاب من مختلف الدول الإسلامية.
كما دعم الأزهر في هذه الفترة الحركات الصوفية واحتضن الطرق الصوفية، مما عزز من دوره كمؤسسة دينية جامعة تدعو للتسامح والانفتاح على التنوع.
واستمر الأزهر في تعليم المذهب الأشعري والعقائد السنية، وفي الوقت ذاته تقبل الآراء والمذاهب المختلفة بروح من التسامح، مما أسهم في توسيع قاعدة المعرفة الدينية ونشر العلوم الإسلامية بعمق.
العصر الحديث
في القرن التاسع عشر، بدأ الأزهر مرحلة جديدة من الإصلاحات خاصة في عهد محمد علي باشا الذي أراد تحديث التعليم وإدخال العلوم الحديثة إلى نظام التعليم الأزهري.
فكان الأزهر ملزمًا بالتغيير ليواكب التحولات الكبرى التي شهدتها مصر، وتوجه نحو التعليم الحديث إلى جانب التعليم الديني.
خلال القرن العشرين، قامت الحكومة المصرية بإعادة هيكلة الأزهر، حيث أنشئت مشيخة الأزهر كهيئة مستقلة تُدير شؤون الأزهر، وتعمل على تحديث التعليم، وإدخال العلوم الحديثة، وتطوير المناهج الدراسية لتشمل تخصصات جديدة ككلية الطب والهندسة والعلوم الإنسانية.
وأدى هذا التطور إلى تأكيد مكانة الأزهر كأكبر جامعة إسلامية في العالم، وأصبح له العديد من الكليات التي تجمع بين التعليم الديني والعلوم الحديثة.
الأزهر وقبول التعدد المذهبي
واحدة من أبرز ميزات الأزهر الشريف هي انفتاحه على مختلف المذاهب الإسلامية وتدريسه للفقه السني بمذاهبه الأربعة.
لقد اعتمد الأزهر منذ زمن طويل التعددية المذهبية، مما سمح بتعزيز روح التسامح بين طلابه وخرّيجيه، وحافظ على وحدة المسلمين باختلاف مذاهبهم.
بالإضافة إلى ذلك، يقوم الأزهر بتدريس العقائد الأشعرية ، ويؤيد الحوار والتفاهم بين المذاهب الإسلامية المختلفة، بما فيها الفكر الشيعي المعتدل، مما يعكس فهم الأزهر لضرورة التعايش الديني والوحدة الإسلامية بعيدًا عن التطرف والتعصب.
الأزهر في مواجهة التطرف ونشر الفكر الوسطي
يعتبر الأزهر من أبرز المؤسسات الدينية التي تتصدى للتطرف وتدعو للوسطية، إذ يعمل على نشر الفكر المعتدل من خلال مناهجه وأنشطته الدعوية والتعليمية.
يسعى الأزهر إلى تقديم خطاب ديني يُعزز من قيم التسامح والاعتدال ويدعو لمواجهة التطرف العنيف، ويعمل على تأهيل الأئمة والدعاة للقيام بدورهم في نشر الفكر الوسطي.
قام الأزهر بإطلاق العديد من المبادرات لنشر خطاب الاعتدال، وشمل ذلك إرسال علماءه إلى مختلف الدول، خاصة الدول الإفريقية والأوروبية، لشرح تعاليم الإسلام الصحيحة، والدعوة للحوار بين الأديان، وتعزيز ثقافة السلام والتعايش.
الأزهر وحوار الأديان
إلى جانب دوره في نشر الفكر الإسلامي الوسطي، يلعب الأزهر دورًا عالميًا في تعزيز الحوار بين الأديان، حيث يعمل على بناء جسور التواصل مع المؤسسات الدينية الأخرى، من أجل تعزيز التفاهم والسلام بين الشعوب.
ويقوم الأزهر بمشاركة علماءه في المؤتمرات الدولية ومنتديات الحوار الديني، كما أطلق عدة شراكات مع المؤسسات الدينية المسيحية واليهودية والعديد من الديانات الأخرى.
على مر القرون، ظل الأزهر الشريف صرحًا حضاريًا ودينيًا، يجمع بين التقليد والتجديد.
لقد شهد تحولات تاريخية كبرى وتطورات هائلة ليصبح اليوم منارة للإسلام الوسطي ومنصة للحوار والتفاهم بين الشعوب، مما يجسد القيم السامية التي يدعو إليها الإسلام.
وما زال الأزهر يتطلع نحو المستقبل، مواصلًا رسالته في نشر العلم والدعوة إلى التعايش، ليظل رائدًا إسلاميًا في مواجهة تحديات العصر، وداعمًا للوحدة والتعايش السلمي بين المسلمين والأديان كافة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم