في إطار سعي الأزهر الشريف لتطوير منظومة الفتوى وتعزيز دورها في توجيه الناس نحو الفهم الصحيح للدين، عقد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر اليوم اختبارات تحريرية وشفوية لأمناء الفتوى من عدد من محافظات الوجه البحري، شملت الغربية والدقهلية والمنوفية وكفر الشيخ ودمياط والبحيرة والإسكندرية ومطروح.
أقيمت هذه الاختبارات بكلية الشريعة والقانون بطنطا، بحضور كوكبة من قيادات الأزهر على رأسهم الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، والدكتور رمضان الصاوي نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه البحري، والدكتور حسن يحيى الأمين المساعد للجنة العليا للدعوة، والدكتور حمدي سعد عميد كلية الشريعة والقانون بطنطا، والدكتور أحمد همام مدير عام الإعلام الديني بالمجمع.
أكد الدكتور محمد الجندي أن عقد هذه الاختبارات يأتي استجابة لتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بهدف تقييم المستويات العلمية لأعضاء اللجان، واختيار كوادر مؤهلة لتولي مهمة الفتوى. هذه العملية، كما أشار الجندي، لا تقتصر على تقييم مؤهلات المرشحين فحسب، بل تهدف أيضاً إلى ضمان امتلاكهم للمقومات التي تجعلهم قادرين على التصدي لفوضى الفتاوى، ومواجهة القضايا الشائكة التي تواجه المجتمع، وتوجيه الناس نحو تعاليم الدين الصحيحة.
الفتوى كصناعة تحتاج إلى التأهيل المستمر
أوضح الدكتور الجندي أن مهمة الفتوى تتجاوز كونها إجابات دينية إلى أن تصبح “صناعة” تحتاج إلى إعداد وتدريب مستمر على فقه النوازل والقضايا المستجدة. قال: “تستدعي الفتوى استجابة متجددة للمستجدات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية”، مشيراً إلى أن الهدف من هذه الاختبارات والمقابلات الشخصية اختيار كفاءات يمكن الاعتماد عليها لضبط العملية الإفتائية وتوجيهها نحو تلبية احتياجات الناس المعرفية، بما يتماشى مع واقعهم ويستجيب لتغيراتهم.
وأضاف الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن دور الفتوى اليوم يتطلب فهماً عميقاً لفقه النوازل، وهو الفقه الذي يعنى بالقضايا المستحدثة. ويمثل هذا النوع من الفقه تحدياً لأمناء الفتوى الذين عليهم مواكبة التحولات السريعة في المجتمع، بما فيها الأمور الاقتصادية المعقدة والاجتماعية المتغيرة، لتقديم رؤى شرعية تتسم بالتوازن والحكمة.
استخدام الوسائل الحديثة لمواجهة الفوضى الفكرية
خلال متابعته للجان الاختبارات، شدد الدكتور الجندي على ضرورة استشعار المسؤولية لدى المرشحين لأمانة الفتوى، قائلاً: “يجب على المفتي أن يكون قريباً من الناس، يتفهم واقعهم، ويعي ما يشكل خطراً على المجتمع”. وأكد أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة كوسيلة للتواصل مع الناس، حيث يمكن للوسائل الإلكترونية تسهيل الوصول إلى الجمهور العريض ونشر الفتاوى المستنيرة التي ترد على الأفكار الهدامة والمغلوطة.
وأشار الجندي إلى أن الوسائل الرقمية تساعد على معالجة الأفكار المغلوطة والتصدي لفوضى الفتاوى التي تنتشر عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لأمناء الفتوى المدربين توضيح اللبس والرد على تساؤلات الناس مباشرة، مما يقلل من تأثير تلك الأفكار السلبية التي تهدد تماسك المجتمع.
توجيه الناس نحو صحيح الدين وتحصينهم من الأفكار المتطرفة
أوضح الدكتور الجندي أن الهدف الأساسي من تطوير لجان الفتوى بالأزهر الشريف هو توجيه الناس نحو الفهم الصحيح لتعاليم الدين الإسلامي، بعيداً عن التفسيرات المشوهة أو المغلوطة التي قد تؤدي إلى تضليل الجمهور، ويعد هذا التوجه جزءاً من جهود الأزهر الحثيثة لحماية المجتمع من التطرف الفكري الذي يسعى لتشويه الدين واستغلاله لأهداف مشبوهة.
وأضاف أن لجان الفتوى تعمل وفق خطط محكمة تسعى إلى تقديم تفسيرات معتدلة ومستنيرة، تتناول القضايا الحديثة وفقاً لما يتطلبه الواقع، مما يعزز دور الأزهر كمرجعية دينية موثوقة. وتعمل هذه اللجان على تفكيك الأفكار المتطرفة وتقديم الرؤية الإسلامية الصحيحة بطريقة تلبي احتياجات المجتمع وتجيب على استفسارات الناس اليومية.
تطوير المهارات والتفاعل مع المتغيرات الاجتماعية
يشدد الأزهر على أهمية تطوير مهارات المفتي وقدرته على التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية، حيث لا تقتصر مهمة الفتوى على إصدار الأحكام بل تمتد لتشمل فهمًا دقيقًا للتحديات التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية.
هذا الأمر يتطلب من المفتي أن يكون على دراية بالواقع المعاش وأن يمتلك المعرفة المتعمقة بمستجدات العصر، حتى يتمكن من تقديم رؤية شرعية تتماشى مع التغيرات التي يشهدها المجتمع.
يأتي اهتمام الأزهر بهذا الجانب ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تحديث الخطاب الديني وجعله أكثر انسجاماً مع احتياجات الناس وتطلعاتهم، مع الالتزام بالمبادئ الدينية الراسخة، مما يعزز مكانة الأزهر كمؤسسة دينية قادرة على الاستجابة لتحديات الزمن الراهن.
يسعى الأزهر الشريف من خلال مجمع البحوث الإسلامية إلى تعزيز دوره الريادي في ضبط الفتاوى وتصحيح المسار الديني في المجتمع، والعمل على تأهيل جيل من العلماء القادرين على مواجهة الأفكار المتطرفة، وتوجيه الناس نحو الإسلام المعتدل، والمساهمة في بناء مجتمع متماسك ومتناغم.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم