الأزهر ولبنان.. جسور متجددة للوحدة والتعايش

كتب: مصطفى علي

في مشهد يحمل أبعادًا روحية وسياسية عميقة، استقبل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الخميس بمقر المشيخة، دولة الدكتور نواف سلام، رئيس مجلس الوزراء اللبناني، والوفد المرافق له اللقاء الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، خُصص لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك بين الأزهر ولبنان، وتجديد دعوة شيخ الأزهر لزيارة البلاد، في ظل تطلع اللبنانيين إلى لقاء ينتظرونه بمحبة وشغف.

شيخ الأزهر: وحدة الأمة سبيل نهضتها

خلال اللقاء، أكد الإمام الأكبر أن الأزهر ينظر بعين الاعتزاز إلى العلاقات التاريخية العميقة التي تربطه بلبنان، معتبرًا أن هذا البلد العربي العريق جزء لا يتجزأ من وجدان الأمة ودعا الله تعالى أن يحفظ لبنان وأبناءه، وأن يوحد صفهم ويجمع كلمتهم، وأن يُعجل بزوال الأزمات التي أثقلت كاهل الشعب اللبناني لسنوات طويلة.

وشدد فضيلته على أن وحدة الأمة هي الأساس الذي لا غنى عنه في مواجهة التحديات المعاصرة، مستشهدًا بقول الحق سبحانه: “واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا”.
وأوضح أن الأزهر ترجم هذا المبدأ إلى خطوات عملية عبر إطلاق “مؤتمر الحوار الإسلامي الإسلامي” الذي استضافته مملكة البحرين، في محاولة لإحياء روح الجسد الواحد في العالم الإسلامي.
وأضاف أن هذه القيم أصبحت أكثر إلحاحًا في ظل ما يشهده قطاع غزة من عدوان لاإنساني وإبادة جماعية متواصلة لما يقارب العامين.

مبادرة الأزهر: تدريب مشترك للأئمة اللبنانيين

ومن أبرز النقاط التي طرحها شيخ الأزهر خلال اللقاء، استعداده لاستضافة الأئمة اللبنانيين، سواء من السنة أو الشيعة، ضمن برنامج تدريبي مشترك يُعقد في أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ.
وأكد أن هذا البرنامج سيُصمم بعناية ليتناسب مع خصوصية المجتمع اللبناني وتنوعه الديني والمذهبي، وليواجه التحديات الراهنة التي تهدد السلم الأهلي.

وأوضح فضيلته أن التدريب سيركز على تعزيز قيم الوحدة الوطنية، وترسيخ ثقافة التضامن والتعايش الإيجابي بين جميع مكونات المجتمع، مشددًا على أن رسالة الأزهر عابرة للحدود، تستهدف ترسيخ السلم الأهلي ودعم استقرار الأوطان.

كما أعلن الإمام الأكبر استعداد الأزهر لزيادة المنح الدراسية المخصصة للطلاب اللبنانيين في مختلف المراحل التعليمية بالأزهر، بما يساهم في تلبية احتياجات المجتمع اللبناني ويعزز من حضور لبنان في مؤسسات الأزهر العلمية والشرعية.

رئيس الوزراء اللبناني: اللبنانيون ينتظرونكم بشغف

من جانبه، عبّر الدكتور نواف سلام عن سعادته البالغة بلقاء شيخ الأزهر للمرة الثانية، مؤكدًا أن لبنان يقدّر عاليًا الجهود الكبيرة التي يبذلها الأزهر في نشر قيم الأخوة والتعايش، ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة وجدد رئيس الوزراء الدعوة لفضيلة الإمام الأكبر لزيارة لبنان، مضيفًا:
“نجدد دعوتنا لفضيلتكم نيابةً عن الشعب اللبناني لزيارة بلدكم الثاني لبنان، فاللبنانيون يحبونكم ويقدرون مكانتكم ودوركم التاريخي، وينتظرونكم بشغف كبير ومحبة حقيقية.”

دعم الأزهر للطلاب اللبنانيين

وأشاد رئيس الوزراء اللبناني بما يقدمه الأزهر من دعم ورعاية لأبناء لبنان الدارسين فيه، سواء عبر المنح الدراسية أو الاستثناءات الخاصة بمعادلة شهادات المدارس اللبنانية، ما يسهل التحاقهم بجامعة الأزهر العريقة واعتبر أن هذه المبادرات ليست إلا امتدادًا لدور الأزهر التاريخي في مساندة لبنان ومساعدة شبابه على بناء مستقبل أكثر استقرارًا.

وأضاف سلام أن لبنان، الذي عانى على مدى عقود من الحروب والصراعات والفتن الطائفية والمذهبية، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى جهود صادقة تسهم في إعادة بناء الدولة على أسس الوحدة الوطنية والعيش المشترك، مشددًا على أن الإرادة اللبنانية ما تزال قادرة على استعادة عافية الوطن ونهضته.

اللقاء بين شيخ الأزهر ورئيس الوزراء اللبناني لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما كان رسالة واضحة إلى الداخل اللبناني والعالم الإسلامي. فالأزهر يعرض مبادرة عملية لتعزيز الوحدة والتعايش في لبنان عبر تدريب الأئمة من مختلف المذاهب، فيما يؤكد لبنان تمسكه بالأزهر كمرجعية روحية جامعة، قادرة على مدّ الجسور بين الطوائف والمذاهب.

 

اترك رد