مقالات

الإعلامية هيام أحمد تكتب: «تحت نفس المطر»

تحت نفس المطر، تتساوى الأرواح لكن لا أحد يراها.
السماء لا تفرق بين غني وفقير، بين من يصرخ ومن يسكت، وبين من يترك ليمحى بصمت، بينما العالم يُدار بمصالح خفية، وحروب تسوق كأمن، والاستعمار الحديث ينهش بأيدي خفية، والطمع يصنع القوانين ويحول البشر إلى أرقام ويعيد رسم الخرائط على حساب الحياة.

العالم اليوم ليس كما يروج له، بل كما تدار مصالحه خلف الأبواب المغلقة.
الحروب ليست مفاجئة، والفقر ليس صدفة، والطمع ليس ضعفاً فردياً.
كلها أدوات دقيقة لإعادة تشكيل الإنسان، ليصبح أكثر خضوعاً وأقل اعتراضاً، وأكثر استعداداً لقبول الانحطاط كسلوك طبيعي.

التوحش لم يعد انحرافاً فردياً، بل سلوكاً مداراً يغذيه الطمع والمال ويشر عنه من خلف لغة دبلوماسية سلسة.
الضحايا يتحولون إلى أوراق على الطاولة، والوعي الجمعي يُوجَّه ليبرر الجريمة، والصمت يصبح شريكاً في المؤامرة.

العالم لا يدار كما يقال لنا، بل كما لا يقال.
البيانات الرسمية تتحدث عن سلام، بينما الخرائط تُعاد رسمها بالدم.
ومن خلف الطاولات اللامعة، تدار مآسٍ كاملة بوجوه هادئة ولغة دبلوماسية تعرف كيف تخفي الجريمة داخل المصطلح.

ليست كل الحروب مفاجئة، بعضها مخطط له بعناية.
تنمو ببطء، تسقى بالخوف وتُغذى بالكراهية، حتى تصبح واقعاً معقداً لا حل له، ثم يطلب من الضحايا تفهم التعقيد. هنا، لا يكون العجز صدفة، بل سياسة.

لم يعد التوحش انحرافاً فردياً، بل سلوكاً مداراً؛
تغذيه جرائم بلا ضمير، وتشرعنه مؤسسات دولية تعرف كيف تؤجل العدالة حتى تموت.
هنا لا يقتل البشر فقط، بل تُقتل الفكرة نفسها: فكرة أن الدم متساوٍ.

تحت نفس السماء، هناك من يمنح حق الدفاع المطلق، ومن يسحب منه حتى حق البكاء.

الحرية المعلنة مجرد شعار يُضحك به على الشعوب، بينما الأطفال يُستغلون، والجنون الجنسي يُسوَّق كمتعة، والملاذات والجزر تتحول إلى مخابئ للمال والفساد، حيث تتحرك القلة لتقرير مصائر الملايين بصمت وذكاء بعيداً عن أي مساءلة.

الفساد السياسي والمالي ليس صدفة، بل أداة مخططة لإخفاء الجرائم وجعل الظلم مألوفاً. الحروب ليست عبثاً، بل إعادة هندسة العالم: تقسيم الموارد، فرض الخضوع، تهجير الشعوب، وإعادة تشكيل السلوك البشري بحيث يصبح الانحطاط طبيعياً، بينما الصمت والغفلة يصبحان شريكين في الجريمة.

السياسة العالمية اليوم لا تسأل: من على حق؟
بل تسأل: من الأقوى؟ ومن الأضعف؟ ومن يمكن التضحية به دون ضجيج؟
هكذا تتحول المآسي إلى ملفات، وتتحول الشعوب إلى سطور صغيرة في تقارير لا يقرأها أحد.

الأخطر ليس القتل، بل إدارته ببرود.
أن يُقنن، ويُبرر، ويُسوَّق، ثم يُنسى.
أن يُطلب من العالم التعاطف، لكن دون غضب، والحزن، لكن دون فعل.

الدول الكبرى تعرف اللعبة: متى تُرفع الأصوات، ومتى تُخرس الحقيقة، وكيف تُحوَّل الدماء إلى أرقام، والظلم إلى سياسة مقنّعة.
المواجهة تبدأ بالوعي: أن نفهم اللعبة كاملة، نرفض الرواية الواحدة، نستعيد التعاطف والتراحم كفعل مقاومة، ونحوّل الألم إلى قوة حقيقية، ونستعيد قيمة الإنسان قبل أن يُلغى الحق، وتصبح الحرية مجرد كلمة بلا معنى.
المواجهة تبدأ حين نكسر هذا الصمت المهذب، حين نرفض الرواية الواحدة، ونعرف أن الحياد الزائف انحياز مقنّع، وأن السكوت بحجة التعقيد مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

الحل ليس في انتظار عدالة تأتي من نفس الجهات التي عطلتها، بل في وعي شعبي لا يُخدع بسهولة، وفي إعلام لا يكتفي بنقل الصورة، بل يطرح السؤال الخطير: من المستفيد؟

تحت نفس المطر، البعض يبلل وجهه ثم يعود إلى بيته الدافئ، والبعض يُترك عارياً في العاصفة ويُطلب منه أن يشكر العالم على الاهتمام.
إما أن نستعيد إنسانيتنا خارج لعبة المصالح، أو نقبل بعالم يجيد الحديث عن السلام، وهو يتقن صناعة الحروب.
في هذا العالم، لم تعد المشكلة في من يضغط الزناد، بل في من يكتب القصة، ويحدد من يسمى ضحية، ومن يمنح حق النجاة، ومن يُطلب منه أن يموت بهدوء.

تحت نفس المطر، قد يبتل الجميع، لكن من يختار المقاومة يشعل الحياة بين الغرق.
الوعي سيف، والفعل درع، والرحمة نار تحرق الظلم، بينما الصمت توقيع على الجريمه.
اللهم اجعلنا أدوات للخير، لا للظلم، واحفظ الإنسانية من الحروب والطمع والاستعمار والقسوة، وارزقنا القوة لنكشف اللعبة، ونحافظ على الرحمة، ويعم السلام، ولتظل الإنسانية حية تحت نفس المطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى