الإمام الأكبر أحمد الطيب: ثمانون عامًا من العطاء.. رمز الوسطية والسلام العالمي

 

تقرير: مصطفى علي

مع حلول اليوم الذكرى الثمانين لميلاد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، نغوص في رحلة حياة أحد أبرز الشخصيات الدينية في العصر الحديث، الذي كرّس عمره لخدمة الدين والإنسانية، ونشر قيم التسامح والسلام بين الناس، وجعل الأزهر منارة للوسطية والاعتدال على مستوى العالم.

نشأة الإمام الأكبر ومسيرته التعليمية

ولد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب في 6 يناير 1946م، الموافق 3 صفر 1365هـ، بقرية القُرَنة في مدينة الأقصر، في أسرة عريقة تحرص على العلم والصلاح منذ صغره أبدى نبوغًا متميزًا، فحفظ القرآن ودرس المتون العلمية على الطريقة الأزهرية الأصيلة، حتى التحق بكلية أصول الدين بالقاهرة، حيث تخرج بتفوق عام 1969م، ثم واصل دراسته في فرنسا في جامعة السوربون، حيث أصبح محاضرًا جامعيًا، وترجم عدة مراجع فرنسية إلى العربية، وأتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية بطلاقة.

تجسد مسار الإمام الأكبر التعليمي في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، فخلال سنواته الدراسية اكتسب رؤية عميقة للعقيدة والفلسفة، الأمر الذي مهد له الطريق لاحقًا للارتقاء بمؤسسات الأزهر إلى مستويات رفيعة في خدمة الدين والمجتمع

شيخ الوسطية والاعتدال

عرف الإمام الطيب بكونه رمز الوسطية والاعتدال، داعيًا دائمًا إلى نبذ العنف والعمل بتعاليم الأديان السمحة، بعيدًا عن الفحش والفجور، ومروجًا للسلام بين جميع البشر ومن خلال هذا المنهج، عمل على تعزيز قيم الأخلاق والإنسانية في كافة لقاءاته ومحاضراته، مؤكدًا أن الالتزام الديني يجب أن يتماشى مع احترام الآخر وتحقيق العدالة والمساواة

مسيرة العلم والدعوة

قضى الإمام الأكبر معظم عمره في خدمة العلم والدين والوطن، واهتم بالضعفاء والمحتاجين، وكان دائمًا على تواصل معهم ليشاركهم آلامهم وأوجاعهم. ويشهد له التاريخ أنه خلال فترة دراسته في فرنسا في السبعينيات، اعتنق عدد من الغربيين الإسلام، نتيجة التزامه الكامل بواجباته الدينية وأخلاقه العالية، فكان نموذجًا حيًا للضيافة والأمانة والاحترام للآخرين، مما جعل تأثيره يتجاوز حدود الأزهر ومصر

رمز السلام والأخوة الإنسانية

تجسد دور الإمام الطيب عالميًا من خلال مشاركته في صياغة وثيقة الأخوة الإنسانية مع البابا فرنسيس، التي مثلت نموذجًا للحوار بين الأديان والتفاهم الإنساني العميق، حيث لا يستطيع القارئ تمييز إن كانت الوثيقة كتبها إسلامي أم مسيحي هذه الوثيقة جاءت ثمرة جهود مستمرة لمدة عام ونصف، لتعزيز التسامح ونشر قيم السلام والعدالة، ولوقف الحروب والصراعات، مؤكدًا على أهمية احترام حقوق جميع البشر بغض النظر عن دينهم أو عرقهم.

من مفتي الديار المصرية إلى شيخ الأزهر

تولى الإمام الأكبر منصب مفتي الديار المصرية في 10 مارس 2002م، وأصدر خلال هذه الفترة نحو 2835 فتوى، قبل أن يتم تعيينه رئيسًا لجامعة الأزهر عام 2003م وفي 19 مارس 2010م، أصبح شيخ الأزهر رقم 48، متخليًا عن أي راتب عن منصبه، مؤكّدًا أن خدمته للإسلام لا تتطلب أجرًا إلا من الله، وموفرًا جزءًا كبيرًا من موارد الأزهر لدعم المتضررين من الكوارث الإنسانية، وبناء المستشفيات، وتمويل رحلات الحج والعمرة للمتضررين.

تعزيز الحوار بين الأديان والتعايش السلمي

منذ توليه مشيخة الأزهر، لعب الإمام الأكبر دورًا بارزًا في نشر الوعي الديني المعتدل، وتعزيز الحوار بين الأديان، ومد جسور التواصل بين الشرق والغرب، مؤكدًا على أن الأزهر مؤسسة فريدة في التزامها بنشر مفاهيم التسامح وقبول الآخر وقد أسهمت جهوده في إذابة الاحتقان الطائفي في العديد من الدول الإسلامية، وتعليم المجتمعات على احترام الديانات الأخرى، وفقًا للقيم الإسلامية السمحة.

إرث فكري وروحي يستمر

تمثل أقوال ومؤلفات ومحاضرات الإمام الأكبر إرثًا فكريًا وروحيًا متميزًا، يحتذى به على الصعيدين المحلي والعالمي إنه عالم مجدد، وراعي للوسطية، ومثال للالتزام الديني والإنساني في آن واحد، محافظًا على رسالة الأزهر التي تميزت عبر التاريخ في خدمة الدين والمجتمع، وباعثًا لقيم الأخوة الإنسانية في زمن تتقاذفه فيه النزاعات والانقسامات.

 

اترك رد