كتبت: يوستينا أشرف
عقد قداسة البابا تواضروس الثاني، بعد ظهر اليوم، لقاءً مع مجمع رهبان دير السيدة العذراء ورئيس الملائكة ميخائيل بالبهنسا، وذلك في إطار جولته الرعوية الحالية بإيبارشيات الصعيد، التي بدأها يوم الثلاثاء الماضي بزيارة إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين.
وكان قداسة البابا قد وصل إلى الدير صباح اليوم، حيث كان في استقباله اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، وعدد من الآباء المطارنة والأساقفة. وعقد قداسته لقاءً بحضور السيد المحافظ، أعقبه وضع حجر أساس الكاتدرائية الجديدة بالدير، وافتتاح قاعة الضيافة ومبنى قلالي الرهبان الجديد.
وخلال لقائه بمجتمع الرهبان، ألقى قداسة البابا كلمة روحية تأمل خلالها في مزمور 42: «كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ… تَرَجَّيِ اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلهِي»، متناولًا ثلاثة أبعاد أساسية ينبغي للراهب أن يحرص عليها، وهي: النذور المحفوظة، والوعود المحفوظة، والقلوب المحفوظة.
أولًا: النذور المحفوظة
تحدث قداسة البابا عن النذور الرهبانية، موضحًا أن الطاعة تأتي في مقدمتها، باعتبارها من أهم أسس الحياة الرهبانية، وهي تعني أن يتخلى الراهب عن مشيئته الخاصة. وأشار إلى أن الطاعة تكشف معدن الراهب، بينما لا يليق بالسلوك الرهباني العناد أو التذمر.
وتناول قداسته أيضًا الفقر الاختياري، موضحًا أنه يعني ألا يرتبط الراهب بممتلكات الأرض، بل يكون ارتباطه بالسماء، مشيرًا إلى أن الراهب كلما ازداد تعلقه بالممتلكات فقد جانبًا من حريته.
أما البتولية، فأوضح قداسته أنها لا تقتصر على طهارة الجسد، بل تبدأ بطهارة القلب، وأن يحمل الراهب المسيح في قلبه.
وأكد قداسة البابا أهمية أن يضع الراهب هذه النذور أمام عينيه وفي عقله ونفسه وقلبه دائمًا، لافتًا إلى أنها تصب جميعًا في النهاية في مخافة الله. كما شدد على أهمية أن يحفظ الراهب نذور تكريسه، وأن يتذكر باستمرار اليوم الأول الذي خرج فيه إلى الدير، بما يحمله من مشاعر خاصة وحرارة روحية.
ثانيًا: الوعود المحفوظة
وأشار قداسة البابا إلى ثلاثة وعود أساسية ينبغي أن تظل حاضرة في حياة الراهب.
أولها: الحياة بحسب إنجيل المسيح، مستشهدًا بقول الرسول بولس: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (في 1: 27)، مؤكدًا ضرورة أن يعيش الراهب الوصية كل يوم، وأن يكون الإنجيل حاضرًا معه دائمًا، حتى يصبح هو نفسه «إنجيلًا حيًّا معاشًا»، ويصير الإنجيل عمله اليومي في كل وقت.
وثانيها: المحبة، مستشهدًا بقول الكتاب: «اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا» (1 كو 13: 8). وأوضح قداسته أن الراهب مدعو لأن يجسد المحبة في حياته اليومية؛ محبته لله، ولإخوته الرهبان، وللقديسين، وللكنيسة وأسرارها، مشيرًا إلى أن المحبة الشاملة تكسر الغضب والغيرة والخلافات.
وثالثها: اختبار حضور المسيح الدائم، مستشهدًا بقول الرب: «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (مت 28: 20). وأكد قداسته أن المسيح يرافق الإنسان في كل يوم من حياته، ويحفظه ويرتب حياته ويمنع عنه الشر، مشددًا على أنه لا ينبغي للإنسان أن يصدق أبدًا أن المسيح قد نسيه أو ابتعد عنه.
ثالثًا: القلوب المحفوظة
وتناول قداسة البابا أهمية حفظ القلب، موضحًا أن حياة الراهب هي صوم عن العالم، فلا ينجذب إلى ما فيه، بل يظل مستعدًا في كل وقت، ويملأ قلبه بالاشتياقات الروحية، مستشهدًا بقول المزمور: «كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ» (مز 42: 1).
كما تحدث قداسته عن المسيح باعتباره العريس، داعيًا الراهب إلى أن يجعل نفسه دائمًا مستعدة لاستقبال العريس، من خلال التوبة والاعتراف والدموع والانسحاق، مستشهدًا بقول المزمور: «صَارَتْ لِي دُمُوعِي خُبْزًا نَهَارًا وَلَيْلًا» (مز 42: 3)، ومشيرًا إلى قول القديس يوحنا الذهبي الفم عن جمال دمعة الإنسان التائب. وشدد قداسته على ضرورة أن يعيش الراهب في استعداد روحي كامل كل يوم.
واختتم قداسته هذا المحور بالتأكيد على الأمانة الكاملة، مستشهدًا بقول الرب: «كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤ 2: 10)، موضحًا أن الأمانة علامة أساسية في الحياة الرهبانية، وأن كلمة «كُن» تفيد الاستمرار؛ أي أن يظل الراهب أمينًا حتى آخر يوم في حياته، أمينًا في نذوره ووعوده وقلبه.
وعقب اللقاء، افتتح قداسة البابا منطقة الزائرين بالدير، والتي تضم أماكن مظللة ومقاعد مخصصة لراحة زائري الدير، إلى جانب مكتبة للكتب والهدايا، ومنفذ خاص لبيع المنتجات الغذائية التي ينتجها الدير.
وتأتي هذه الزيارة في إطار الجولة الرعوية لقداسة البابا تواضروس الثاني في منطقة الصعيد، وحرص قداسته على متابعة أحوال الأديرة والرهبان، ودعم الخدمات المقدمة لزوارها.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم