البرنامج النووي الإيراني بين الاتفاقيات الدولية والتصعيد الإقليمي

تقرير: محمد السنهوري

يشهد الملف النووي الإيراني تطورات متسارعة تعكس تعقيداته السياسية والأمنية، وتضعه في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية، جنحت إيران لتعويض خسائرها، عبر اتفاق نووي جديد مع روسيا، لإنشاء 4 مفاعلات نووية جديدة، ترفع قدرتها النووية إلى 20 جيجاوات، بحلول عام 2040، بعد ان خفضتها الضربة الأمريكية الإسرائيلية إلى 1000 ميجاوات، تنتجها محطة بوشهر النووية.

ما طرح التساؤلات عن احتمالات سعيها لإبرام ذلك الاتفاق، لتعويض خسائرها من الضربة الأمريكية- الإسرائيلية لمنشآتها النووية، وقد فند الدكتور “على عبد النبي”- نائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقًا- ذلك الطرح، في تصريحات خاصة لجريدة اليوم، فقال: “بالطبع هذا الاحتمال غير وارد، لأن المفاعلات الجديدة هي مفاعلات لإنتاج الكهرباء، مثلها مثل محطة الضبعة النووية في مصر، وهي قريبة الشبة به، حيث أنها من مفاعلات الجيل الثالث، وقدرته الإنتاجية تبلغ 1200 ميجاوات، فهي مفاعلات لأغراض سلمية بحتة”.

وأضاف: “الاتفاق خطوة جيدة جدا لكلا الطرفين، حيث يدعم أمن الطاقة الإيراني، كما يدعم وجودها السياسي في المنطقة، باعتبارها دولة قوية ومستقلة وذات سيادة، وتعمل في المجالات السلمية، ومن هنا يكون ضخ الاستثمارات فيها أكثر أمانًا، ويكون المساس بأمنها وسيادتها أمرًا أكثر الصعوبة، لاسيما إذا ما تم توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران؛ فيما تستفيد روسيا من مردود تلك الاستثمارات، ومن تعميق نفوذها بالمنطقة”.

وعلى جانب آخر، بعد سنوات من التفاوض والتوتر، عاد الحديث مجددًا عن إمكانية إحياء الاتفاق النووي، لكن الأمر يتخلله الكثير من الصعوبات حيث فرضت الأمم المتحدة عقوبات اقتصادية وعسكرية شاملة على إيران، بعد مرور 10 سنوات على رفعها، بموجب اتفاق دولي حول برنامجها النووي.

طموح إيراني

الاتفاق الذي وصف بالإستراتيجي، أعلن الطرفان أنه سيسهم في تعزيز أمن الطاقة الإيراني، لما ينتظر أن يرفع القدرة النووية للبلاد، وأكدت إيران أن أغراضه سلمية، تقتصر على توليد الكهرباء؛ لكنه يأتي في إطار التوسع النووي الإيراني، ما يثير القلق العالمي من الاستخدامات الحقيقية للمشروع، وهي ما يظهر بمستوى شفافية إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومع تعليق طهران تعاونها مع الوكالة، عقب تفعيل آلية الزناد بالأمم المتحدة، يصبح المشروع علامة استفهام كبيرة، قد تحقق مخاوف الغرب، من امتلاكها الأسلحة النووية، وهي التي استأنفت أنشطتها النووية بوتيرة متسارعة منذ عام 2018، لتتصاعد المخاوف من اقترابها من العتبة النووية، مع انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق السداسية لعام 2015، الذي كان يهدف إلى الحد من قدرتها على تخصيب اليورانيوم، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، وتقييد أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

وفي هذا الصدد، لفت “عبد النبي” إلى أن: “المفاعلات الجديدة تختلف كليا عن نطنز وفوردو، التي هي منشآت نووية وليست مفاعلات، تعمل على إنتاج الوقود المخصب، سواء اليورانيوم منخفض التخصيب أو المتوسط أو العالي، وتحتوي على أجهزة طرد مركزية، وتنتج الوقود الذي تستخدمه المفاعلات، ويمكن أن ترتفع فيها نسبة تخصيب اليورانيوم حتى 20%- 90%، سواء للمفاعلات السلمية أو غيرها، ومن هنا فهي مصدر إثارة للقلق، لكن المفاعلات النووية الجديدة، مع تخصيصها لإنتاج الكهرباء، فستستخدم اليورانيوم المخصب بنسبة تتراوح بين: 2%- 4.5%، وبالتالي لا قلق منها”.

راحت طهران تبرم اتفاق نووي جديد مع الدب الروسي، وسط تقلص الثقة في نواياها، لاسيما مع ما تم تداوله من أن الضربة الأمريكية الإسرائيلية لم تحطم البرنامج، إنما عطلته قليلًا؛ وهو ما طرح إعادة اتفاق السداسية، 2015، الهادف بالأساس إلى تجميد تقدمها النووي، مقابل مجموعة من المكاسب الاقتصادية، أبرزها رفع العقوبات واستعادة صادرات النفط؛ ليبقى مصير الاتفاق بين كفتي ميزان: الطموح النووي أو المكاسب الاقتصادية.

ما يطرح إمكانية تأثير إحياء الاتفاق على المفاعلات الجديدة، وقد قال الخبير النووي عن ذلك: “لن يؤثر إحياء الاتفاق الدولي على ذلك المشروع بالطبع، لأنها مفاعلات مخصصة لإنتاج الكهرباء فقط لا غير، وتستخدم وقود منخفض التخصيب، كما أن المشروع يعكس عمق التعاون بين روسيا وإيران، ويجعل الأخيرة تحت المظلة الروسية، كما يعكس مستوى الأمان والاستقرار لديها، حيث لن تقدم روسيا على تقديم استثمار ضخم، تصل قيمته إلى 25 مليار دولار، في منطقة مضطربة لا تستطيع حماية نفسها، كما يؤكد أن إيران دولة قوية ذات سيادة”.

دعم الروسي تقني وسياسي

عبر الاتفاق الجديد، وسط التوترات الدولية من البرنامج النووي الإيراني، برزت روسيا لاعبًا محوريًا في دعم البرنامج، سواء في بناء وإدارة المفاعلات الجديدة، أو بناء مفاعلات مدنية قديمًا مثل: بوشهر؛ كما تسعى للحفاظ على نفوذها بطهران، عبر التنسيق السياسي دوليًا، في ظل العقوبات الغربية، مطالبة بضمانات ألا تؤثر العقوبات على تعاونها النووي معها.

وهو ما يثير قلقًا غربيًا، من احتمال استخدام الدعم الروسي لتوسيع قدرات إيران النووية خارج الإطار المدني، لاسيما مع تزايد التنسيق العسكري بين البلدين، في ملفات مثل: سوريا وأوكرانيا.

توسع البرنامج النووي الإيراني بالاتفاق، ينقله من مجرد ملف تقني، ليصبح أداة استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، ومع دخول روسيا لاعب داعم، تتعقد الحسابات أكثر، وتصبح فرص التسوية مرهونة بإرادة سياسية دولية قادرة على فرض توازن بين الردع والاحتواء.

وحول ميزان تطوير إيران لقدرتها النووية، اختتم “عبد النبي” تصريحاته، قائلًا: “إيران تمتلك بالفعل قدرات نووية غير سلمية، وقد تحدث المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي سابقا، عن: أن بلاده يمكنها صنع قنبلة نووية خلال أيام خمسة، حتى في ظل ظروف الحرب؛ وهي بالفعل تمتلك تكنولوجيا نووية وعسكرية أكثر تطورًا حتى من باكستان، فنجدها تنتج الصواريخ الباليستية والانشطارية والصواريخ الفرط الصوتية، والمسيرات والطوربيدات، ومن هنا فهي ليست بحاجة لدعم روسي ليفتح أمامها هذا الباب؛ بل على العكس نجد موسكو هي من تستورد من طهران بعض الأسلحة، مثل: طائرة الشاهد المسيرة، التي تضرب بها روسيا أوكرانيا”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *