«التعفن الدماغي».. عندما تتحول ساعات السوشيال ميديا إلى استنزاف للعقل

خبير نفسي: الإفراط في المحتوى السريع قد يضعف التركيز ويجعل العقل يبحث عن الإثارة المستمرة

>> مخيمر: المحتوى السريع يضعف التركيز ويجعل العقل يبحث عن الإثارة

لم تعد عبارة «التعفن الدماغي» مجرد مصطلح ساخر يتردد على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أصبحت تستخدم لوصف حالة يشعر فيها المستخدم بأنه يقضي ساعات طويلة في متابعة محتوى قصير ومتكرر، دون أن يخرج منه بمعلومة أو فائدة حقيقية.

ورغم أن المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، فإنه يعبر بصورة مجازية عن ظاهرة رقمية أصبحت أكثر انتشارًا، خاصة مع الاعتماد المتزايد على مقاطع الفيديو القصيرة، والتنقل المستمر بين المنشورات، والإشعارات، والمحتوى الذي يعتمد على جذب الانتباه في ثوانٍ قليلة.

ما المقصود بـ«التعفن الدماغي»؟

يستخدم رواد مواقع التواصل الاجتماعي مصطلح «التعفن الدماغي» أو Brain Rot لوصف الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي منخفض القيمة أو شديد التكرار، خصوصًا عندما يتحول تصفح الهاتف من وسيلة للترفيه إلى عادة يصعب التحكم فيها.

وقد يشعر الشخص بعد ساعات من التصفح بأنه لم يفعل شيئًا مفيدًا، رغم استهلاك قدر كبير من الوقت والطاقة الذهنية، بينما يجد نفسه يعود إلى التطبيق مرة أخرى بمجرد الشعور بالملل أو الفراغ.

ولا يعني ذلك أن مشاهدة المقاطع القصيرة أو استخدام مواقع التواصل يؤديان في حد ذاتهما إلى «تلف الدماغ»، وإنما يشير المصطلح الشعبي إلى نمط من الاستخدام المفرط الذي قد يرتبط بمشكلات مثل ضعف التركيز، واضطراب النوم، وصعوبة الابتعاد عن الهاتف.

لماذا يصعب التوقف عن التصفح؟

تعتمد منصات التواصل على خوارزميات مصممة لاقتراح محتوى متواصل يتناسب مع اهتمامات المستخدم، وهو ما يجعل الانتقال من مقطع إلى آخر عملية سهلة وسريعة.

ومع تكرار الأمر، قد يصبح المستخدم معتادًا على الحصول على جرعات متتابعة من المحتوى الجديد دون الحاجة إلى بذل مجهود كبير، فيجد القراءة الطويلة أو مشاهدة محتوى يحتاج إلى تركيز أمرًا أكثر صعوبة مقارنة بالمحتوى السريع.

كما تلعب الإشعارات والتفاعل الاجتماعي دورًا في إبقاء المستخدم داخل المنصة، خاصة عندما يرتبط الهاتف بالعمل أو التواصل مع الأصدقاء والمتابعة المستمرة للأحداث.

هل يؤثر الأمر على التركيز؟

من جانبه قال الدكتور عماد مخيمر رئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة الزقازيق إن المشكلة الأساسية لا تكمن في استخدام مواقع التواصل نفسها، وإنما في الطريقة التي يتم بها استخدامها، موضحًا أن الانتقال المستمر بين مقاطع قصيرة ومحتويات مختلفة يمكن أن يدرب الانتباه على البحث الدائم عن محفز جديد.

وأضاف في تصريح خاص لـ«اليوم» أن الاعتياد على المحتوى السريع قد يجعل بعض الأشخاص يشعرون بالملل عند التعامل مع مهام تحتاج إلى تركيز لفترة طويلة، مثل القراءة أو الدراسة أو العمل، خاصة إذا كان استخدام الهاتف يتم لساعات متواصلة.

وأوضح أن الإنسان يحتاج إلى فترات من الهدوء وعدم التعرض المستمر للمثيرات الرقمية حتى يستعيد قدرته الطبيعية على التركيز، مشيرًا إلى أن تنظيم استخدام الهاتف أفضل من التعامل مع الأمر باعتباره مشكلة مرتبطة بمنصة واحدة.

«التعفن الدماغي» والأطفال والشباب

ولفت إلى المصطلح يظهر بصورة أكبر بين المراهقين والشباب، في ظل انتشار منصات الفيديو القصير والمحتوى القائم على النكات والمقاطع المتتابعة.

وأكد أن القلق يزداد عندما يتحول استخدام الهاتف إلى نشاط أساسي يطغى على النوم أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، أو عندما يصبح الشخص غير قادر على الاستمتاع بأي نشاط آخر دون وجود الهاتف بجواره.

وشدد على أن الأسرة يجب ألا تكتفي بمنع الهاتف، وإنما عليها مساعدة الأبناء على بناء بدائل حقيقية، مثل الرياضة والقراءة والهوايات والأنشطة الاجتماعية، مع وضع أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة.

هل الحل هو حذف السوشيال ميديا؟

ليس بالضرورة، فالمشكلة في الغالب ترتبط بمدة الاستخدام وطبيعته أكثر من ارتباطها بوجود مواقع التواصل نفسها.

ويمكن للمستخدم البدء بخطوات بسيطة، مثل إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتحديد أوقات معينة للتصفح، وإبعاد الهاتف أثناء النوم أو الدراسة والعمل، إلى جانب تخصيص وقت يومي لأنشطة لا تعتمد على الشاشة.

كما يمكن تجربة فترات قصيرة دون استخدام مواقع التواصل وملاحظة تأثيرها على التركيز والنوم والمزاج.

وفي النهاية، قد يكون «التعفن الدماغي» مصطلحًا ساخرًا صنعته السوشيال ميديا، لكنه يلفت الانتباه إلى مشكلة حقيقية في عصر أصبحت فيه الشاشة ترافق الإنسان طوال اليوم: متى يتحول الترفيه من دقائق قليلة إلى عادة تستهلك الانتباه والوقت دون أن نشعر؟

اترك رد