تحقيق: عماد صابر العمدة
تحول “التوكتوك” في محافظة أسيوط من وسيلة نقل بسيطة جاءت لـ”تفك أزمة” الانتقال في الشوارع الضيقة والقرى البعيدة والنجوع، إلى “صداع مزمن” يضرب الانضباط العام في مقتل. فبين ليلة وضحاها، غزا شوارع عاصمة الصعيد، ليفجر أزمات مرورية وأمنية واجتماعية لا تنتهي، وضعت المواطن أمام معادلة صعبة: كيف يتم لجم هذه الفوضى دون قطع أرزاق آلاف الأسر؟
في هذا التحقيق، تفتح “جريدة اليوم” الملف الشائك، وترصد ملامح الأزمة من شوارع أسيوط ومراكزها، وتستمع لآراء المواطنين، وتطرح حلول الخبراء للسيطرة على الشارع.
أطفال يقودون “نعشاً طائراً”
في جولة ميدانية بـ مركز الفتح وشوارعه الحيوية مثل الشارع “الرئيسي” و”مداخل القرى”، تجد التوكتوك وقد تحول إلى العقبة الأولى أمام السيولة المرورية. يقول محمد عطا (موظف بجامعة أسيوط):
“أصبحنا نخشى السير في الشوارع؛ أغلب السائقين أطفال لم يبلغوا السن القانوني، يقودون بسرعات جنونية وسط غياب تام لأداب المرور، ناهيك عن المشاجرات اليومية والألفاظ الخارجة والأجرة الغالية التي تفرض علينا فرضاً في غياب أي تسعيرة موحدة”.
الوضع لا يختلف كثيراً في حي غرب مدينة أسيوط ومداخل قرية منقباد والوليدية؛ إذ يتزاحم التوكتوك في المحاور الرئيسية ولا يفرق معه بقرار حظر دخوله المدن ، مما يتسبب في شلل مروري تام يعطل سيارات الإسعاف والمواطنين على حد سواء.
القرى والنجوع.. “شريان حياة” يفتقد الهوية الأمنية
على الجانب الآخر، وفي عمق قرى ونجوع مركز الفتح (مثل العصارة و بني مر والواسطى والمعصرة) ومركز صدفا (مثل قرية أولاد إلياس)، يبدو التوكتوك “شرياناً إجبارياً للحياة”.
يوضح الحاج محمود (من أهالي قرية أولاد إلياس بصدفا) الأبعاد قائلاً:
“التوكتوك بالنسبة لنا وسيلة لا غنى عنها؛ فهو الوحيد القادر على دخول الحارات الضيقة والوصول إلى العزب والنجوع التي لا تصلها سيارات الأجرة. لكن الأزمة تكمن في أن 99% من هذه المركبات في القرى غير مرخصة ولا تحمل أي أرقام، مما يمثل خطورة؛ فلو حدثت حالة سرقة أو حادثة، يفر السائق ولا يمكن لأحد الوصول إليه”.
أما من ناحية أصحاب وقائدي مركبة التوكتوك، قال محمد أحمد أحد أصحاب التوكتوك ليجد لنفسه سبيل يدافع به وهو أنه يعمل ليصرف على عائلته وأسرته في وقت قل فيه العمل والوظائف، ولا يجد متنفساً له غيره فقد حصل عليه بعد عناء من السعي وقروض ليشتري هذه المركبة، ليساعد أسرته فهو العائل لهم بعد غياب والده.
تحركات تنفيذية.. لفرض الانضباط
أمام هذا الوضع، تتبنى الأجهزة التنفيذية بمحافظة أسيوط، تحت إشراف اللواء محمد علوان محافظ أسيوط، استراتيجية تعتمد على الحسم الإداري والتقنين في آن واحد.
وأكدت مصادر مسؤولة بالمحافظة لـ “جريدة اليوم”، أن هناك تعليمات مشددة لرؤساء المراكز والأحياء بالتنسيق مع إدارة المرور لشن حملات يومية مفاجئة (صباحية ومسائية) أسفرت عن مصادرة مئات التكاتك المخالفة لخطوط السير وتوقيع غرامات رادعة، لاسيما في الشوارع الرئيسية وعواصم المراكز كديروط ومنفلوط والفتح.
وتتوازى هذه الحملات مع تقديم تسهيلات كبيرة لأصحاب المركبات لفتح باب الترخيص ووضع “أرقام حصر محلي” مؤقتة كخطوة أولى لتحديد هوية كل مركبة وضبط المنظومة أمنياً، واستبدال التوكتوك بمركبة صديقة للبيئة وإنتاج محلى عرف ” بديل التوكتوك ”
وكشف الخبراء عن حلول تتكون من 3 خطوات لإنهاء “الصداع المزمن” للوصول إلى حل جذري يضمن أمان الشارع ولا يقطع أرزاق البسطاء، يضع خبراء التخطيط المروري والإدارة المحلية عبر “جريدة اليوم” روشتة إنقاذ تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية:
الكود الرقمي وخط السير الإجباري: إلزام كل وحدة محلية (بالمراكز والقرى) بوضع ملصق بكود رقمي كبير وواضح على زجاج التوكتوك، يحدد “خط السير” المسموح به (مثلاً: داخل قرية بني مر فقط)، مع حظر تام لدخول المدن، ووضع “تسعيرة إجبارية” معلنة للمواطنين.
تفعيل منظومة الإحلال (الميني فان): التوسع الفوري في المبادرة الرئاسية لإحلال التوكتوك واستبداله بسيارات “ميني فان” (7 راكب) آمنة وحضارية، من خلال تقديم قروض ميسرة عبر جهاز تنمية المشروعات الصغيرة بأسيوط، وتخصيص خطوط سير لها تربط القرى بالمراكز.
المصادرة الفورية لقيادة الأطفال: عدم الاكتفاء بالغرامة المالية، وتطبيق عقوبة المصادرة النهائية لأي مركبة توكتوك يُضبط يقودها طفل دون السن القانوني، ومحاسبة ولي أمره قانونياً لحماية أرواح المترددين على الشوارع.
تبقى أزمة التوكتوك في أسيوط ملفاً مفتوحاً على طاولة المسؤولين، ينتظر مزيداً من الحسم لتطهير المحاور الرئيسية من العشوائية، وتقنيناً ذكياً يحفظ أمن القرى ويوفر للمواطن الأسيوطي وسيلة انتقال آمنة وكريمة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم