تقرير – محمود عبد العظيم وسماح غنيم:
«صيف يحرق الزراعة».. تغيرات مناخية حادة تضرب المحاصيل وترفع تكلفة الإنتاج وتضع الأمن الغذائي أمام اختبار صعب
ارتفاع الحرارة والرطوبة يضاعف خسائر المحاصيل ويعيد رسم خريطة الإنتاج الزراعي
خسائر متزايدة في المحاصيل الزراعية وسط تحذيرات من تداعيات ممتدة على الاقتصاد والغذاء
تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات مناخية متسارعة لم تعد مجرد ظواهر عابرة، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه بقوة على القطاع الزراعي، ويترك تأثيرات مباشرة على إنتاج المحاصيل وتكاليف الزراعة، وصولًا إلى أسعار الغذاء. وبينما يصف الخبراء ما يحدث بأنه “صيف مبكر”، تتزايد المخاوف من تداعيات موجات الحرارة المرتفعة على المزارعين والإنتاج الزراعي.
«الصيف المبكر».. ظاهرة تعكس تغير المناخ
في هذا السياق، أكد الدكتور محمد فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، أن ما تشهده البلاد حاليًا يأتي ضمن تأثيرات التغيرات المناخية، التي أدت إلى ظهور ما يُعرف بـ«الصيف المبكر»، رغم أن الصيف الفلكي لم يبدأ بعد.
وأوضح أن هذه الظاهرة تختلف عن “النينو”، لكنها قد تتقاطع معها في بعض التأثيرات، خاصة مع احتمالات امتداد موجات الحرارة لفترات أطول، بما قد يؤدي إلى صيف ممتد وشتاء أكثر دفئًا.

موجات حرارة قياسية وتأثيرات مضاعفة
تحذيرات مركز معلومات تغير المناخ جاءت واضحة، حيث تشير التوقعات إلى تسجيل درجات حرارة تتراوح بين 40 و42 درجة مئوية في شمال البلاد، وتصل إلى 45 درجة في الجنوب، بالتزامن مع ارتفاع نسب الرطوبة.
ولا تكمن الخطورة فقط في ارتفاع الحرارة، بل في تزامنها مع زيادة الرطوبة وارتفاع معدلات “الندى”، ما يضاعف الإحساس الفعلي بالحرارة، ويخلق بيئة مثالية لانتشار الآفات والأمراض النباتية، فضلًا عن زيادة الاحتياجات المائية للمحاصيل بنسبة قد تصل إلى 20%.
المحاصيل في مرمى التغيرات المناخية
التأثيرات السلبية لموجات الحرارة لم تعد نظرية، بل ظهرت بالفعل على عدد من المحاصيل خلال السنوات الأخيرة، حيث تأثرت محاصيل الخضر مثل الطماطم والخيار والكوسة، خاصة في الحقول المكشوفة.
كما امتد التأثير إلى محاصيل الفاكهة، إذ انخفضت جودة وأحجام بعض الثمار مثل المانجو والرمان، إلى جانب تأثر التمور والزيتون، مع تراجع نسبة الزيت في بعض المناطق.
وفي هذا الإطار، يؤكد نقيب الفلاحين حسين أبو صدام أن أزمة تلف بعض المحاصيل ليست طارئة، بل ترتبط بشكل مباشر باضطراب المناخ وتسارع التغيرات المناخية، موضحًا أن ما حدث لمحاصيل مثل البطيخ والمشمش والطماطم خلال الفترة الأخيرة يعكس تأثيرات الطقس غير المستقر، وليس له علاقة جوهرية بجودة التقاوي كما يُشاع أحيانًا.
وأضاف أن تغير خريطة الزراعة في مصر بات واضحًا، حيث لم تعد المحاصيل مقيدة بمناطق جغرافية معينة، فبعض الزراعات التي كانت تتركز في صعيد مصر أصبحت تُزرع الآن في الوجه البحري ومناطق أخرى، وهو ما يزيد من حساسية هذه المحاصيل للتقلبات المناخية.

تحديات إضافية بين الإرشاد والمشاتل
وأشار أبو صدام إلى أن جزءًا من الأزمة يرتبط أيضًا بضعف وصول الإرشادات الزراعية إلى بعض المزارعين، ما يستدعي تكثيف جهود التوعية لضمان تطبيق التوصيات الفنية بشكل صحيح.
كما لفت إلى ضرورة التدقيق في مصادر الشتلات والمشاتل، مؤكدًا أن بعض المشاتل غير الموثوقة قد تكون عاملًا إضافيًا في تفاقم أزمة بعض المحاصيل، مثل البطيخ، إلى جانب العوامل المناخية.
آفات وأمراض.. تهديد متزايد للإنتاج
ارتفاع درجات الحرارة لا يؤثر فقط على نمو النباتات، بل يخلق بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والآفات، وهو ما أكده خبراء زراعيون، مشيرين إلى زيادة نشاط حشرات مثل الذبابة البيضاء وديدان المحاصيل.
ومع استمرار موجات الحر، تتكاثر هذه الآفات بشكل أسرع، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية، وقد تصل الخسائر في بعض المحاصيل إلى مستويات كبيرة، خاصة مع صعوبة السيطرة الكاملة على هذه الحشرات في ظل الظروف المناخية الحالية.
نقص المياه وملوحة التربة
من أخطر التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية أيضًا نقص المياه، والذي يؤدي إلى زيادة ملوحة التربة، ما يؤثر سلبًا على خصوبتها وقدرتها الإنتاجية.
وبدأت بعض الأراضي التي لم تكن تعاني من هذه المشكلة سابقًا في إظهار مؤشرات واضحة على تدهور التربة، نتيجة انخفاض كميات المياه المتاحة للري.
خسائر اقتصادية تضرب المزارعين والفلاحين
تنعكس هذه التغيرات بشكل مباشر على المزارعين، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج بسبب زيادة الاحتياجات المائية، وارتفاع أسعار المبيدات، وتراجع الإنتاجية في بعض الحالات.
ويضع هذا الوضع الفلاح أمام تحديات اقتصادية كبيرة، خاصة في ظل عدم استقرار العوائد، ما قد يدفع البعض إلى تقليل المساحات المزروعة أو تغيير نوعية المحاصيل.
الأمن الغذائي في دائرة الخطر
تحذر دراسات علمية من أن استمرار التغيرات المناخية قد يؤدي إلى تراجع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية، واتساع الفجوة الغذائية، وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
كما تشير إلى أن الأمن الغذائي في مصر بات مرتبطًا بشكل وثيق بقدرة القطاع الزراعي على التكيف مع هذه التغيرات، من خلال تحسين الإنتاجية وتطوير نظم الري وإدارة الموارد.

خطوات التكيف مع التغيرات المناخية والحد من آثارها؟
في مواجهة هذه التحديات، تؤكد وزارة الزراعة أهمية الالتزام بحزمة من الإجراءات، أبرزها:
- تقليل الفترات بين الريات وتجنب الري وقت الظهيرة
- استخدام أنظمة الري الحديثة مثل التنقيط
- دعم النباتات بالعناصر الغذائية المناسبة
- تكثيف مكافحة الآفات عبر الفحص الدوري
- حماية الثمار من أشعة الشمس المباشرة
ويؤكد الخبراء أن التكيف مع التغيرات المناخية أصبح ضرورة حتمية، وليس خيارًا، للحفاظ على الإنتاج الزراعي وتقليل الخسائر.
مستقبل الزراعة في مصر بين التحدي والتكيف
مع استمرار التقلبات المناخية، يبدو أن الزراعة المصرية تواجه مرحلة دقيقة تتطلب إعادة النظر في أساليب الإنتاج والتخطيط الزراعي.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على الإنتاج وضمان استدامته، في ظل ظروف مناخية متغيرة، ما يجعل دعم المزارعين وتعزيز قدرتهم على التكيف أولوية لا تحتمل التأجيل.

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم