أسيوط / حسنى الأكرادى
في إطار التعاون والتكامل بين مؤسسات الدولة، وحرصًا على دعم الشباب وبناء وعيهم وتأهيلهم لتحمل المسؤولية، شاركت مديرية أوقاف أسيوط، اليوم الثلاثاء الموافق 18 أغسطس 2026م، في الندوة التي عُقدت بالقاعة الكبرى بكلية الزراعة بجامعة أسيوط، تحت عنوان: «القيادات الشابة وسمات القيادة.. دروس من عصر الرسول والصحابة»، وذلك بالتعاون بين جامعة أسيوط ومديرية الشباب والرياضة ومديرية أوقاف أسيوط، في لقاء جمع بين الفكر والتجربة، وبين المعرفة والقيم، ليؤكد أن صناعة القائد تبدأ من بناء الإنسان.

قد أناب فضيلة الدكتور عيد علي خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، الدكتور أحمد خطيب محمد، مدير الدعوة، والواعظة حنان أحمد عزوز، للمشاركة في فعاليات الندوة، في تأكيد على الدور المجتمعي والتوعوي الذي تقوم به مديرية أوقاف أسيوط، وحرصها على مد جسور التعاون مع مختلف مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات التعليمية والشبابية، بما يسهم في نشر الوعي، وترسيخ القيم، وإعداد جيل من الشباب يمتلك القدرة على تحمل المسؤولية وصناعة القرار.
وجاءت الندوة لتفتح واحدًا من أهم الملفات المرتبطة بمستقبل المجتمعات؛ وهو ملف القيادة الشابة، فالأمم لا تُبنى بكثرة الإمكانات وحدها، وإنما تُبنى بالعقول القادرة على توجيه تلك الإمكانات، وبالقيادات التي تجمع بين العلم والخلق، وبين الطموح والانضباط، وبين قوة القرار وحكمة التعامل. ومن هنا جاءت العودة إلى عصر النبوة والصحابة رضي الله عنهم، لا باعتبارها استدعاءً للماضي، وإنما باعتبارها قراءة لنماذج إنسانية رائدة أثبتت أن الشباب حين يُحسن إعدادهم، ويُمنحون الثقة، ويُكلفون بالمسؤولية، يستطيعون أن يصنعوا التحول ويتركوا أثرًا يتجاوز أعمارهم.
وفي كلمته خلال الندوة، أوضح الدكتور أحمد خطيب محمد، مدير الدعوة بمديرية أوقاف أسيوط، أن القيادة في التصور الإسلامي ليست وجاهة ولا امتيازًا، وإنما أمانة ومسؤولية، وأن القائد الحقيقي هو من يعرف أن ما بين يديه من سلطة أو صلاحية أو مسؤولية إنما هو تكليف سيُسأل عنه. واستشهد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، مؤكدًا أن الآية الكريمة تضع أساسًا راسخًا للقيادة الرشيدة، قوامه الأمانة والعدل وإسناد المسؤولية إلى من يستحقها.
وأشار إلى أن السيرة النبوية قدمت للأمة نماذج مبهرة لقيادات شابة أثبتت كفاءتها في أصعب المواقف، وفي مقدمتها نموذج أسامة بن زيد رضي الله عنهما، الذي ولاه النبي ﷺ قيادة جيش وهو شاب، بما يكشف عن منهج نبوي عظيم في اكتشاف الطاقات الشابة، وصقلها، ومنحها الثقة، وعدم جعل السن وحده معيارًا للكفاءة. فالمعيار الحقيقي هو القدرة والأمانة والاستعداد لتحمل المسؤولية.
وأكد أن النبي ﷺ ربّى الشباب على الشعور بالمسؤولية، ولم يعزلهم عن قضايا المجتمع، بل أشركهم في صناعة الأحداث، وفتح أمامهم أبواب التعلم والعمل وتحمل التبعات، وهو ما يتجلى في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، ليصبح مفهوم القيادة في الإسلام أوسع من مجرد منصب، وأعمق من مجرد سلطة؛ فهي مسؤولية تبدأ من الإنسان تجاه نفسه وتمتد إلى أسرته ومجتمعه وعمله ووطنه.
ومن جانبها، تناولت الواعظة حنان أحمد عزوز مفهوم القيادة من زاوية إنسانية وأخلاقية، مؤكدة أن القائد الناجح لا يصنعه المنصب، وإنما تصنعه شخصيته وأخلاقه وقدرته على التأثير الإيجابي فيمن حوله، وأن القيادة في الهدي النبوي قامت على الرحمة والحكمة والتواضع وحسن التعامل، إلى جانب الحزم حين تقتضي المواقف ذلك.
واستشهدت بقول الله تعالى في وصف القيادة النبوية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، مؤكدة أن الآية تختصر جانبًا بالغ الأهمية من فن القيادة؛ فالقائد قد يمتلك العلم والسلطة والقدرة على اتخاذ القرار، لكنه يفقد تأثيره إذا افتقد الرحمة وحسن التعامل.
وأوضحت أن الشباب في حاجة إلى قيادة تبدأ بالقدوة، فالقائد الذي يطلب الانضباط ينبغي أن يكون أول المنضبطين، ومن يدعو إلى العمل ينبغي أن يكون أول العاملين، ومن يتحدث عن المسؤولية ينبغي أن يكون أكثر الناس تحملًا لها. فالقيادة الحقيقية ليست أن يتقدم الإنسان الصفوف بحثًا عن المكانة، وإنما أن يتقدمها ليحمل العبء ويهيئ الطريق للآخرين.
كما تناولت نماذج من شباب الصحابة رضي الله عنهم، وفي مقدمتهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، الذي حمل رسالة الإسلام إلى المدينة قبل الهجرة، فكان نموذجًا للشاب الذي جمع بين الوعي والحكمة وحسن التواصل والقدرة على الإقناع، إلى جانب أسامة بن زيد رضي الله عنهما، الذي مثل نموذجًا آخر للثقة في الشباب وإسناد المهام الكبرى إلى أصحاب الكفاءة.
وأكدت أن القوة التي ينبغي أن يتحلى بها الشاب ليست قوة جسدية فحسب، وإنما قوة شخصية وإرادة وعلم وإيمان وقدرة على العمل وتحمل المسؤولية، مستشهدة بقول النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» رواه مسلم.
ولم تكن الندوة مجرد حديث عن القيادة باعتبارها منصبًا أو مسؤولية إدارية، وإنما كانت دعوة إلى إعادة اكتشاف مفهوم أعمق للقيادة؛ مفهوم يجعل من الأخلاق أساسًا، ومن العلم وسيلة، ومن المسؤولية جوهرًا، ومن خدمة الناس غاية. فالقائد الذي يبني نفسه على هذه القيم يستطيع أن يحول طاقة الشباب من مجرد حماس عابر إلى مشروع بناء حقيقي، وأن يجعل من طموحه الشخصي قيمة مضافة لمجتمعه ووطنه.
وتجسد مشاركة مديرية أوقاف أسيوط في هذه الندوة صورة واضحة للتكامل بين مؤسسات الدولة، حيث تتلاقى رسالة الأوقاف في بناء الوعي وتصحيح المفاهيم ونشر الفكر الوسطي مع رسالة الجامعة في العلم والمعرفة، ودور وزارة الشباب والرياضة في اكتشاف الطاقات الشبابية وتنميتها وتأهيلها؛ لتتكامل الأدوار في هدف واحد هو بناء الإنسان المصري الواعي القادر على تحمل المسؤولية والمشاركة الإيجابية في صناعة مستقبل وطنه.
وتؤكد مديرية أوقاف أسيوط أن التعاون مع المؤسسات التعليمية والشبابية والثقافية ليس عملًا هامشيًا، بل هو أحد المسارات المهمة للوصول إلى الشباب في مواقعهم، والحوار معهم حول القضايا التي تمس حاضرهم ومستقبلهم، وتقديم الرؤية الدينية الصحيحة التي تجمع بين الثوابت والقيم ومتطلبات العصر.
وفي ختام الندوة، بدا الدرس الأهم واضحًا: أن الأمم التي تريد مستقبلًا قويًا لا تنتظر ظهور قادتها مصادفة، وإنما تصنعهم بالعلم والتربية والتأهيل والثقة والمسؤولية. وقد أثبت عصر النبوة والصحابة أن الشاب حين يُمنح الثقة ويُحسن إعداده، يمكن أن يحمل مسؤولية أكبر من سنوات عمره، وأن يصنع أثرًا أكبر من حدود تجربته.

وهكذا تظل السيرة النبوية وسيرة الصحابة رضي الله عنهم مدرسة مفتوحة للأجيال؛ تعلمنا أن القيادة ليست كرسيًا يُجلس عليه، ولا لقبًا يُكتب بجوار الاسم، وإنما أمانة تُحمل، ومسؤولية تُؤدى، وقدوة تُحتذى، وأثر طيب يبقى في حياة الناس.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم