لم يعد هذا العنوان مجرد تعبير مجازي يتردد في المجالس، بل أصبح واقعًا مؤلمًا يعيشه كل محامٍ، وغصةً في حلق كل من حمل رسالة الدفاع عن الحقوق أصبحنا نرى فرسان المهنة يتساقطون في ميادين الشرف والعطاء، بعدما أفنوا أعمارهم بين أروقة المحاكم، يحملون هموم الناس على أكتافهم حتى اللحظة الأخيرة.
منذ يومين، ترجل عن صهوة جواده أستاذ الأجيال، والعلامة الفقيه، والقامة القانونية الشامخة، الدكتور عصام البطاوي، الذي وافته المنية داخل محكمة جنايات قنا إثر أزمة قلبية مفاجئة، ليسقط على أرض المحكمة التي شهدت سنوات عطائه الطويلة، وكأن القدر أراد أن تكون خاتمة رحلته في المكان الذي وهب له عمره كله.
رحم الله الدكتور عصام البطاوي رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في خدمة العدالة في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان.
شهادة وفاء للأب والمعلم
أكتب هذه الكلمات وقلبي يعتصره الألم لفراق من لم يكن مجرد أستاذ في مهنة القانون، بل كان مدرسةً قائمة بذاتها، ورمزًا من رموز المحاماة المصرية، وأحد أعمدة القضاء الواقف.
عرفه الجميع محاميًا استثنائيًا خاض أعقد القضايا وأكبرها، وكان حاضرًا في أبرز الملفات التي شغلت الرأي العام لسنوات طويلة، ودافع باقتدار عن شخصيات عامة ورجال دولة ورجال أعمال، حتى أصبح اسمه مرادفًا للكفاءة والهيبة والاحتراف.
أما بالنسبة لي، فلم يكن مجرد أستاذ، بل كان الأب الذي لم يلدني، والمعلم الذي صنع بداياتي المهنية. ففي الثامن عشر من فبراير عام 2022، وبعد انتهاء خدمتي العسكرية مباشرة، التحقت بمكتبه لتبدأ رحلة غيّرت مجرى حياتي بالكامل.
أتذكر أول قضية أوكلها إليّ؛ كانت قضية اختلاس مال عام وتزوير مستندات أمام محكمة شمال الجيزة، وكانت بدايتي الحقيقية في عالم الجنايات. كنت أشعر بالخوف والرهبة، لكنه منحني ثقته الكاملة، وتركني أخوض التحقيقات وجلسات التجديد في نيابة الدقي، يراقبني ويوجهني ويصحح أخطائي بصبر الأب وحكمة المعلم.
وحين منَّ الله عليَّ بأول حكم بالبراءة في حياتي، كنت أعلم أن الفضل بعد الله يعود إلى توجيهاته وإيمانه بقدرتي. فتح لي مكتبه، وفتح لي قلبه قبل مكتبه، وجعلني أشعر أن نجاحي هو نجاحه.
لم تكن علاقتنا علاقة صاحب عمل بموظف، بل كنا أسرةً واحدة؛ أنا، وأخي الأستاذ ممدوح الليثي مدير المكتب، وأخي وصديق عمري الأستاذ عبد الرحمن جمال، تجمعنا روح واحدة تحت قيادة أبٍ ومعلمٍ كان يحتوي الجميع بعلمه وإنسانيته.
واليوم، برحيله، أشعر أن جزءًا كبيرًا من حياتي قد رحل معه، وأن المكتب الذي كان ينبض بالحياة فقد روحه.
المحاماة رسالة قبل أن تكون مهنة
علمني الدكتور عصام البطاوي أن المحاماة ليست وسيلةً للرزق فحسب، بل رسالة تؤدى بأمانة وإخلاص، وأن شرف الكلمة هو أعظم ما يملكه المحامي، وأن الوقوف إلى جانب الحق لا يكون إلا بعلم، وضمير، وأخلاق.
علمنا أن المحامي الحقيقي لا يدافع عن موكله فحسب، بل يدافع عن قيمة العدالة ذاتها، ويحمل أمانة الكلمة مهما كانت التضحيات.
المحامي… الإنسان المنسي
رحيل الدكتور عصام البطاوي يجب ألا يمر باعتباره حادثًا مؤلمًا فحسب، بل ينبغي أن يكون جرس إنذار يدفع الجميع إلى إعادة النظر في الظروف القاسية التي يعيشها المحامي.
كم من محامٍ يغادر منزله قبل شروق الشمس، ولا يعود إليه إلا بعد منتصف الليل؟
كم ساعة يقضيها واقفًا في ممرات المحاكم، ينتظر دوره بين عشرات القضايا؟
كم ضغوطًا نفسية وعصبية يتحملها وهو يحمل هموم موكليه، ويعيش تفاصيل أزماتهم وكأنها أزماته الشخصية؟
المحامي لا يحمل ملفات وأوراقًا فحسب، بل يحمل هموم الناس وآلامهم وأسرارهم ومسؤولياتهم، ويبذل جهدًا ذهنيًا وعصبيًا وجسديًا هائلًا، ثم يعود إلى منزله منهكًا، وقد استنزفت المهنة من صحته وعمره أكثر مما يراه الناس.
ورغم كل ذلك، يظل المحامي واقفًا على منصة رسالته، مؤمنًا بأن الدفاع عن الحقوق يستحق كل هذا العناء.
رسالة لا بد أن تصل
إن وفاة الدكتور عصام البطاوي داخل قاعة المحكمة ليست مجرد واقعة مؤلمة، بل رسالة يجب أن يتوقف أمامها الجميع.
فالمحامي إنسان قبل أن يكون صاحب مهنة، وله الحق في بيئة عمل أكثر إنسانية، وتنظيم يراعي صحته وكرامته، ويخفف من الضغوط الهائلة التي يتحملها يوميًا في سبيل تحقيق العدالة.
وربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا: كم من المحامين يجب أن نفقد قبل أن ندرك أن هذه المهنة النبيلة تحتاج إلى من يحمي أصحابها، كما يحمون هم حقوق الناس كل يوم؟
وداعًا يا أستاذي
اللهم يا واسع الرحمة والمغفرة، اغفر لعبدك الدكتور عصام البطاوي، وارفع درجته في عليين، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
اللهم اجزه عن علمه، وعن دفاعه عن الحق، وعن كل ما قدمه لطلابه وزملائه وللعدالة خير الجزاء، واجعل علمه النافع وذكراه الطيبة صدقةً جارية في ميزان حسناته.
اللهم كما كان لنا أبًا ومعلمًا وسندًا في الدنيا، فأكرمه في الآخرة بواسع فضلك، وألهمنا الصبر على فراقه، واجمعنا به في جنات النعيم.
رحم الله أستاذ الأجيال، وستظل سيرته وعلمه وأثره باقية في قلوب كل من تعلم على يديه، وكل من عرفه إنسانًا قبل أن يعرفه محاميًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم