باحث سوداني لليوم: مأساة الفاشر ليست أزمة إنسانية بل مشروع تفكيك منظم

تقرير: سمر صفي الدين

بينما تغرق مدينة الفاشر، آخر المدن الكبرى في إقليم دارفور التي ما زالت خارج سيطرة قوات الدعم السريع، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي يشهدها السودان المعاصر، حيث يخنقها حصار شامل مضى عليه أكثر من عام، تاركًا سكانها بين الجوع والموت.

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو “حميدتي” في أبريل 2023، ظلت الفاشر، عاصمة شمال دارفور، آخر معاقل الجيش ونقطة التوازن الأخيرة في الإقليم المنكوب.

إلا أن صمودها الطويل تحول إلى مأساة إنسانية صادمة، بعدما نفدت المؤن وأغلقت “التكايا” التي كانت تطعم الفقراء، واضطر السكان إلى طهي جلود الأبقار القديمة على نيران بالكاد تشتعل.

الحصار يخنق الحياة

بحسب صور الأقمار الصناعية التي حللها “مختبر البحوث الإنسانية” بجامعة ييل الأمريكية، طوقت قوات الدعم السريع المدينة بخنادق وسواتر تمتد لأكثر من 68 كيلومترًا، مع إبقاء ممر ضيق يستخدم لابتزاز المدنيين مقابل عبوره.

وهكذا تحولت الفاشر إلى سجن جماعي تخنق فيه الحياة ببطء، حيث لا طعام يدخل ولا دواء يخرج، سوى أنين الجوع وصدى الخوف.

الحصار كسلاح حرب

في هذا الصدد، يرى الباحث السوداني محمد مكي الطاهر أن ما يجري في مدينة الفاشر لا يمكن وصفه بأزمة إنسانية عابرة، بل هو “تطبيق عملي للاستراتيجيات الهجينة” التي تعتمدها المليشيات والدول الراعية للصراعات الحديثة، وفق ما يسميه بـ”نظرية الحروب الدولية الجديدة” التي شارك في صياغتها.

ويضيف الطاهر في حديثه لـ”اليوم”، أن الحصار والتجويع والقصف الوحشي ليست أضرارًا جانبية، بل أدوات حرب متعمدة تهدف إلى كسر إرادة الصمود الوطني وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين لإعادة هندستها ديموغرافيًا بما يخدم مصالح قوى خارجية.

ويتابع موضحًا أن هناك دول تمثل، في تقديره، الجهة الأكثر انخراطًا في هذا المخطط من خلال دعمها لقوات الدعم السريع واستخدامها كأداة وظيفية في إدارة العدوان على السودان.

تواطؤ دولي مقنّع

وانتقالًا إلى الموقف الدولي، يرى الطاهر أن ما يبدو في ظاهره “عجزًا دوليًا” عن التدخل لإنقاذ الفاشر ليس إلا غطاء لتواطؤ استراتيجي أعمق.

ويشير إلى أن العجز المزعوم هو قرار سياسي مدروس، الغرض منه شل أي تحرك فعلي يمكن أن يدعم الجيش السوداني أو يعزز بقاء الدولة الوطنية.

ويضيف أن الخطاب الإنساني يستخدم بشكل انتقائي للضغط على الجيش، في حين تمنح المليشيا المتمردة الغطاء السياسي والدعم اللوجستي.

وبحسب الطاهر، فإن إطالة أمد الحرب هدف مقصود لإرهاق القوات المسلحة ودفعها نحو تسوية مفروضة تُكافئ المعتدي وتشرعن التمرد، مما يجعل الحديث عن “فشل المجتمع الدولي” — على حد قوله — نوعًا من التضليل المتعمد.

معركة الوجود والهوية

أما عن مستقبل الصراع، فيعتبر الطاهر أن الفاشر تمثل معركة الوجود والهوية للسودان، فهي نقطة الحسم النهائية بين مشروع الدولة الوطنية الذي يجسده الجيش، ومشروع التفتيت والعمالة الذي تنفذه المليشيات وتحالف “تأسيس”.

كما يؤكد أن صمود الفاشر يعني دفن مشروع العدوان الخارجي، في حين أن سقوطها سيمثل اكتمال مخطط تقسيم السودان وتحويل دارفور إلى قاعدة للنهب وتهديد الأمن القومي.

وفي سياق متصل، يرى الطاهر أنه لا توجد بوادر حقيقية لحل سياسي في الوقت الراهن، معتبرًا أن المبادرات المطروحة لا تتجاوز محاولات لفرض الاستسلام على الدولة السودانية.

وتابع قائلاً إن “الحل الوحيد الذي يوقف الانهيار هو النصر العسكري الحاسم للجيش السوداني”، الذي يعيد للدولة سيادتها الكاملة وينهي حالة التمرد والتدخلات الخارجية بشكل جذري.

مأساة ممتدة

خلفت الحرب في السودان عشرات الآلاف من القتلى، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، مع نزوح أكثر من 13 مليون شخص، بينهم مليون من الفاشر وحدها.

وتفيد المنظمة الدولية للهجرة بأن سكان المدينة تراجعوا بنسبة 62% إلى نحو 413 ألفًا يعيشون في ظروف المجاعة والحصار.

فمنذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، تواصلت المواجهات بين الجيش والدعم السريع، مدمرة البنية التحتية، ومهددة بتحويل الفاشر إلى مأساة إنسانية مفتوحة ما لم يُسمح بدخول المساعدات فورًا.

عن سمر صفي الدين

شاهد أيضاً

ترمب: النصر على إيران بات وشيكاً والجيش الأمريكي أثبت تفوقه

تقرير: مروة محي الدين ​أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، اليوم- الجمعة، أن العمليات العسكرية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *