“بسنت”.. وفلسفة الألم الصامت !

بقلم: د.حنان سالم

(دكتوراة الفلسفة المعاصرة كلية الآداب – جامعة العريش)

انتهي الحدث والحادثة ولم يبق سوي حديث الناس، هذا الحديث الذي بات يحلل ويفكك ويركب وينصب نفسه حاكما وجلادا علي الضحية، ويتناسي أنهم قد يكون أحدهم مكانها يوم ما، إذا ما طالته نفس ظروف أوجاع الألم الصامت، وقهر المجتمع بأكمله، فلماذا نقفز إلى النتائج ونتصدر بالحكم عليها أو نترك السبب ونسأل عن النتيجة: هل ستدخل النار لأنها كانت مريضة أو مكتئبة أو مورس عليها ضغوط، ولماذا لم تعقل الأمر وكيف تركت أبناءها أو ضحت بهم هكذا.. وأسئلة كثر.. إلخ.

 

حقا إن الأمر صادم ومفزع لكن الأصعب منه أن ننصب أنفسنا آلهة ونحكم بالجنة أو النار علي الضحية وهو أمر موكل إلي المولي سبحانه وتعالى وهو علي عباده أرحم.

قال تعالي ﴿إِنَّ حُسْابَهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ الشعراء [113].

 

إن مشهد انتحار “بسنت” أو غيرها ممن سبقوها في نفس الشهر – الرجل المسن وحادثة الكوبري- لا يعود حدثا عابرا أو طاريء وإنما هو رسالة للإنسانية، تتهم الآخر بقهره وظلمه لأخيه الإنسان وتجرده من مشاعر الحنو و الحب والثقة في لحظة الضعف والخذلان ، رسالة تجسد أزمة الإنسانية وافتقادها للرحمة والاحتواء وكافة أنواع التعاطف.

 

لم تكن “بسنت” امرأة عادية أو ضعيفة ومستسلمة، تلك الفتاة الجميلة الشابة المفعمة بالحيوية والنشاط، التي تحملت المسؤلية والألم في صمت، والواعية لما قالت وسردت في بث مباشر من الآلام والأوجاع ما تدمي له القلوب، علي مرأي ومسمع من رواد التواصل الاجتماعي، والتي لم تقصد به استعطاف أو تحريك ضمير صامت أو ربما تعطيها الحياة فرصة أخرى لوجود أفضل. وإنما كانت صرخة كل امرأة وفتاة تعاني في صمت.

 

هذا المشهد المأساوي قد لا يكون الأخير والأبشع وذلك لأن المجتمع يحمل في جعبته الكثير من الآلام لدي كثير من الناس رجالا ونساء من فشل العلاقات الزوجية، وضغوط العمل، تدني الظروف المادية، والتنمر والسخرية من الآخر، ما قد يكرر المأساة آلاف المرات، والتي قد لا تحرك ساكنا أو ضميرا ميتا!

 

بيد أن الحقيقة الموجعة باتت نتاج قهر الإنسان للإنسان، والتأثير عليه بالسلب لا بالإيجاب، فهل أصبح القهر الإنساني قدراً محتوماً؟ وهل أصبح من العادي عدم تحرك الضمائر لإنقاذ آخر ولو برسالة، أو أن يري أحد شخصا معلقا ،أو يستعد للفعل ويبدأ بتصويره حتي النهاية من أجل “ترند” و”ريتش”.. أين الرحمة والمسؤولية؟!

 

فالرحمة ليست ترفا أخلاقيا، بل مسؤلية وجودية وفضيلة واجبة، لكن الحقيقة تكمن في أن الحياة تحتاج شجاعة للمواجهة، لا غرفا مغلقة، ومسؤولية أخلاقية، لا كبرياء وتحدي، وخلفية إيمانية راسخة، وفكر واعي بالمقاومة لأن الألم غير المعلن “قاتل” والصمت الكامل “مقبرة”، فلما الصمت؟!

 

في تصوري أن هذا الصمت نتيجة طرق جميع الأبواب المؤصدة ولا مجيب، واختزال الحوار والمناقشة في رسائل رقمية، من القلق الأصيل لمخاوف المستقبل، من الإبتسامة الخافتة خلف أعباء الحياة، من تقلص الأحلام لعدم قبولها من الواقع، من الواقع ذاته.

 

ولمواجهة ذلك اعتقد أن المجمتع بكافة أطيافه حكومة، ومستشفيات، ومؤسسات دينية، وأسر يتوجب عليه إعادة التفكير في موقع الإنسان في الكون، وقيمته ومعني حياته والحفاظ علي روحه آمنة، بالاحتواء، والتوعية والنصيحة فلا تتركه للمعاناة الصامتة التي تسكن الروح قبل الجسد وتقتل الإحساس والوعي، لكي نعود بشرًا، لا أدوات ووسائل؛ لكي نكسر قيد الوجود العبثي، نحو إنسانية بلا قهر، في مجتمع يقوم علي التسامح والتعايش، فيشرق فيه الإنسان، حرًا، مبدعًا، ومسؤولًا.

 

وأخيرا يا سادة فلنكن رحماء علي أنفسنا ولا ننتظر الآخر الذي يقهر، ولنعلم أن الحياة تستحق أن تعاش بحلوها ومرها فهي دار فناء وابتلاء، ولقد خلق الإنسان في كبد ومعاناة، وليس معني ذلك أن نعطي أنفسنا الحق في السقوط في العدم والفناء، لأن الله سبحانه وتعالى نهانا عن إزهاق أرواحنا، أو غيرنا خشية إملاق أو اكتئاب أو مرض..

وليكن كل إنسان شاهدا علي نفسه ،صابرا لحكم ربه ومتحملا للصعاب، فالقبول والرضا يعيدان إنتاج المعني، بينما القلق والتفكير الصامت فاتورة للفشل في الإمتحان، والنجاح في الحياة لايأتي جاهزا بل ينتزع من فم الفراغ بالصبر والاحتمال فلنكن رحماء علي أنفسنا.

عن إسلام عبد الرحيم

شاهد أيضاً

د. محمد سلامة يكتب: الحق يضعف ولا يموت حتمية الانتصار وبقاء الجوهر

في صراع القيم والمبادئ كثيراً ما نشاهد تراجعاً للحق أمام سطوة الزيف أو خفوتاً لصوته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *