تحت شعار «بيت واحد | ONE HOUSE»، انطلقت في القاهرة فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، الذي تنظمه الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والوزراء والخبراء والمفكرين من مختلف دول العالم.
ويأتي المؤتمر في توقيت بالغ الأهمية، تزامنًا مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي لم تعد آثارها بعيدة عن جدران الأسرة، بل أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عوامل مؤثرة بصورة مباشرة في العلاقات الأسرية، وأنماط التربية، ومفاهيم الزواج والطلاق، وطريقة تشكل وعي الأبناء.
ويحاول المؤتمر أن يطرح سؤالًا محوريًا يتجاوز مجرد تشخيص المشكلات: كيف يمكن حماية الأسرة قبل وقوع الأزمة؟ وكيف تتحول المؤسسات الدينية والإفتائية من التعامل مع النتائج إلى الوقاية من أسباب التفكك؟
«بيت واحد».. الأسرة في قلب مشروع حماية الإنسان والهوية
ويحمل شعار «بيت واحد | ONE HOUSE» دلالة تتجاوز المعنى الرمزي؛ فالبيت هو المساحة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان، ويتعلم فيها معنى الأمان والانتماء والمسؤولية، ومنه تبدأ رحلة بناء الشخصية وصناعة القيم.
ومن هذا المنطلق، ينظر المؤتمر إلى الأسرة باعتبارها قضية تتجاوز حدود الحياة الخاصة، لتصبح قضية مجتمع ودولة ومستقبل؛ إذ إن استقرار الأسرة ينعكس على استقرار المجتمع، وتماسكها يمثل أحد أهم عناصر حماية الهوية وتعزيز قدرة الأجيال الجديدة على مواجهة المتغيرات دون فقدان مرجعيتها وقيمها.
وتتجه جلسات المؤتمر إلى مناقشة التحديات الأسرية من زوايا متعددة، تجمع بين الفقه والإفتاء وعلم الاجتماع والنفس والتربية والقانون والإعلام والتقنية، في محاولة لبناء رؤية متكاملة تتعامل مع الأسرة باعتبارها منظومة مترابطة لا يمكن حماية أحد أطرافها بمعزل عن بقية مكوناتها.
من «فقه الأزمة» إلى «فقه الوقاية».. الإفتاء أمام مسؤولية جديدة
ويبرز خلال المؤتمر مفهوم «الفقه الاستباقي» بوصفه أحد أهم المداخل الجديدة للتعامل مع القضايا الأسرية، بحيث لا تنتظر المؤسسات وقوع الطلاق أو تفاقم النزاع أو انهيار العلاقة الأسرية حتى تتدخل، وإنما تعمل على بناء الوعي والوقاية والتأهيل منذ ما قبل الزواج.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تأهيل المقبلين على الزواج، وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتطوير آليات الإصلاح والوساطة الأسرية، وتقديم خطاب إفتائي يراعي الواقع النفسي والاجتماعي للأسر، إلى جانب تطوير السياسات والتشريعات الداعمة للاستقرار الأسري.
كما يناقش المؤتمر الحاجة إلى تعزيز الاجتهاد الجماعي المؤسسي في قضايا الأسرة، من خلال التعاون بين علماء الشريعة والمتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية، بما يسمح بفهم أعمق للتحولات الجديدة، وصياغة حلول قابلة للتطبيق والتقييم.
الذكاء الاصطناعي يدخل البيت.. من يربي أبناءنا في العصر الرقمي؟
ومن أبرز الملفات التي يضعها المؤتمر على طاولة النقاش تأثير الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي على الأسرة، بعدما أصبحت الشاشات والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأبناء.
ولم يعد التحدي مقتصرًا على مدة استخدام الأجهزة أو نوعية المحتوى الذي يشاهده الأبناء، وإنما امتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يشارك الأسرة في تشكيل وعي أبنائها وصياغة أفكارهم وقيمهم وتصوراتهم عن الحياة والعلاقات والنجاح.
وتفرض هذه التحولات على الأسرة إعادة اكتشاف دورها التربوي، وعلى المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية إنتاج محتوى موثوق قادر على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغة العصر، حتى لا تترك الساحة الرقمية للمحتوى المضلل أو المتطرف أو المنفصل عن القيم الإنسانية والدينية.
كما يناقش المؤتمر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في العلاقات الزوجية، واتساع الفجوة بين الأجيال، وتراجع الحوار المباشر داخل المنزل، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالخصوصية والأمن الرقمي وما تفرضه البيئة الإلكترونية من تحديات جديدة أمام التربية والحماية.
الزواج والطلاق والاقتصاد.. أزمات متشابكة تحتاج إلى حلول متكاملة
ولا يغفل المؤتمر التحديات التقليدية التي ما زالت تضغط على الأسرة، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الزواج، والمغالاة في بعض المظاهر الاجتماعية، وتأخر سن الزواج، وارتفاع معدلات الطلاق والنزاعات الزوجية، والعنف الأسري، والضغوط الاقتصادية والمعيشية.
ويؤكد المؤتمر أن التعامل مع هذه القضايا لا ينبغي أن يقتصر على إصدار الأحكام أو تقديم النصائح بعد وقوع الأزمة، وإنما يجب أن يمتد إلى دراسة جذور المشكلة، وبناء برامج وقائية، وتعزيز التأهيل النفسي والاجتماعي والفقهي للمقبلين على الزواج والمتزوجين.
كما يطرح المؤتمر قضية صيانة الهوية باعتبارها جزءًا لا ينفصل عن حماية الأسرة؛ فالبيت ليس مكانًا للسكن فقط، وإنما المدرسة الأولى التي تنتقل من خلالها اللغة والقيم والأخلاق والانتماء والذاكرة الثقافية والدينية إلى الأجيال الجديدة.
الأسرة الفلسطينية.. حين يصبح الحفاظ على البيت دفاعًا عن الحياة
وفي ظل الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم، يحضر ملف الأسرة الفلسطينية بوصفه نموذجًا صارخًا لحجم التحديات التي تواجه الأسرة عندما تفقد أبسط مقومات الأمن والاستقرار.
ويؤكد المؤتمر أهمية استحضار معاناة الأسر الفلسطينية، ودعم حقها في الحياة والأمن والكرامة والبقاء، باعتبار أن حماية الأسرة لا تنفصل عن حماية الإنسان وحقه في وطن آمن ومستقبل مستقر.
وفي النهاية، يبعث مؤتمر «بيت واحد | ONE HOUSE» برسالة واضحة: أن الأسرة ليست ملفًا اجتماعيًا عابرًا، ولا مسؤولية مؤسسة منفردة، وإنما هي مشروع حضاري متكامل.
فحين يستقر البيت، يستقر الإنسان، وحين يستقيم الإنسان يقوى المجتمع، وحين تحافظ الأسرة على هويتها وقيمها يصبح المستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحولات الكبرى.
ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر في الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن علاج الأزمة إلى الوقاية منها، ومن العمل المنفرد إلى الشراكة المؤسسية؛ بهدف بناء أسرة أكثر وعيًا وصلابة، قادرة على الاستفادة من منجزات العصر دون أن تفقد بوصلتها أو هويتها.
يمكنكم زيارة الرابط التالي لمشاهده المؤتمر الدولي الحادي والعشرين على صفحة وزارة الأوقاف المصرية
https://www.facebook.com/share/r/1FW6TT3YVJ/

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم