كتبت : شيماء المهدي
يرسم أبناء “الوادي الجديد” لوحة إنسانية بالغة العراقة والدفء خلال أيام عيد الأضحى المبارك. هنا، في خلوة الواحة الممتدة بين الداخلة والخارجة والفرافرة وبلاط وباريس، لم تنجح الحداثة في خدش وجه الموروث الشعبي، بل ظلت عادات الأجداد تنبض بالحياة، متوارثة من جيل إلى جيل كأثمن ما تخبئه الصدور.
تبدأ مراسم العيد الروحية منذ ليلة الوقفة، حيث تتنفس البيوت الواحاتية روحانيات الإيمان متعلقة بوقفة عرفات أملًا في زيارة وحج بيت الله الحرام وتضامنًا مع ملايين المسلمين الذي يجتمعون في مثل هذا الوقت من كل عام على جبل عرفات. ومع بزوغ فجر اليوم الأول من أيام العيد، تفيض الساحات الفسيحة والمساجد الأثرية بتكبيرات العيد التي تردد الحقول صداها ببهجة خفية. في هذا المشهد، يتلاحم الآلاف من الكبار والصغار، بالجلباب الواحاتي الأبيض الناصع، ليجسدوا مشهداً إيمانياً يعكس نقاء القلوب والتلاحم المجتمعي اللامتناهي.

وعقب انقضاء الصلاة، يهرع المضحون نحو أضحياتهم، لتنطلق مباشرة الطقوس الاجتماعية والغذائية الأكثر تميزاً في عمق الفلكلور الواحاتي.
تفاجئك واحة “باريس” في جنوب المحافظة بطقس ترحيبي شديد الخصوصية والعذوبة؛ إذ يحرص الأهالي فور عودة الرجال من الصلاة على تقديم اللبن المغلي والبيض المسلوق للمهنئين والزوار، في إشارة رمزية لبداية يوم ناصع يفيض بالخير والبركة، وقبل أن تبدأ سكاكين المضحين في عملها.
ومع اكتمال النحر، تبرز سيدة المائدة الواحاتية بلا منازع: “القورمة”. وبالرغم من حضور الفتة المصرية التقليدية، إلا أن “القورمة” تظل الطقس الأهم؛ حيث يُطهى لحم الأضحية مع كميات وفيرة من البصل المكرمل بالصلصة الطبيعية ولمسة سحرية من السكر. والسر الأبهى هنا، هو إصرار السيدات على طهي هذا الطبق، رفقة الأرز بالكبدة والحلويات، فوق نار الحطب وداخل الأفران الطينية القديمة، لتتشبع الأكلات برائحة التراث الساحرة.
ولا يمكن لهذه الصواني أن تكتمل دون “العيش المجرّد” أو “الخمرير”، وهو الخبز الواحاتي الرقيق والواسع الذي يُخبز يدوياً خصيصاً لهذه المناسبة ليكون رفيقاً مثالياً لمرق القورمة والفتة.

لكن الرمزية الأجمل لعيد الأضحى في الوادي الجديد تتجسد في تلك الموائد الجماعية العفوية التي تمتد في الشوارع وأمام البيوت. على “طبلية” واحدة، تذوب الفوارق الطبقية تماماً؛ فيجلس الجار بجانب جاره، ويُدعى عابر السبيل، وتُجبر خواطر الأسر البسيطة والأيتام. العيد هنا ليس مجرد وجبة فاخرة، بل هو تظاهرة تكافلية كبرى عنوانها الأبرز “جبر الخواطر” وإحياء قيم الجيرة الممتدة منذ مئات السنين.

لا تغيب صلة الرحم مع الراحلين عن وجدان الواحاتيين؛ فمع ساعات العصر، يتوجه الأهالي جماعات نحو المقابر لزيارة موتاهم وقراءة الفاتحة. وهناك، تبرز طبيعة الواحة الكريمة؛ حيث يصطحب الزوار تمور الواحات الشهيرة، والقرص الفلاحية، لتوزيعها كصدقات جارية على الأطفال والفقراء، مع تزيين الشواهد بجريد النخل الأخضر ونبات الريحان العطري.
وما إن تنتهي الطقوس العائلية، حتى تتحول الواحة إلى ساحة للاستجمام والفرح. تخرج العائلات صوب الآبار الكبريتية والجوفية الساخنة مثل “بئر ناصر” و”بئر الجبل” للسباحة والترويح عن النفس وسط الطبيعة البكر. كما يمثل العيد “موسم البركة الأكبر”، إذ تفضل العائلات عقد قران أبنائها في هذه الأيام المباركة مستغلتين تجمع المغتربين، لترتفع زغاريد الفرح وتصدا الواحات بأنغام الآلات التراثية والرقصات الفولكلورية التي توثق زواج الأرض بالإنسان.

إن عيد الأضحى في واحات الوادي الجديد ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو مرآة حية تعكس عبقرية المكان وأصالة الإنسان المصري الذي يعيش في أحضان الصحراء. إنها دعوة صامتة ومستمرة نرسلها من قلب هذا الوادي الطيِّب إلى مجتمعنا المعاصر، لنتعلم كيف نحافظ على هويتنا وموروثنا الشعبي، وكيف نجعل من الأعياد جسوراً حقيقية للتكافل، والتراحم، وجبر الخواطر، في زمن كادت فيه المادية والمدنية الحديثة أن تطمس ملامح البساطة والجمال الإنساني الرفيع.

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم