حشمت عبد الحارث يكتب: «سرطان» وهمي بالملايين

لم تعد كلمة «سرطان» مجرد تشخيص طبي يُخيف المرضى، بل أصبحت في بعض القصص مفتاحًا سريعًا لقلوب الناس وجيوبهم أيضًا .. فبمجرد أن تُذكر، يسقط الشك، وتُفتح أبواب التعاطف بلا حساب، ويتحول الخوف الإنساني إلى استجابة فورية لا تعرف التردد؛ لكن ماذا لو تحولت هذه الكلمة من وجع حقيقي إلى وسيلة؟ وماذا لو أصبحت الاستغاثة نفسها بابًا مفتوحًا لجمع الأموال، لا لإنقاذ حياة، بل لاستغلال مشاعر مجتمع كامل؟

هنا لا نتحدث عن حالة فردية بقدر ما نتحدث عن ظاهرة تتشكل في صمت، وتكبر مع كل “شير” وتعاطف سريع، حتى وصلت ذروتها في القصة التي شغلت الرأي العام مؤخرًا، والمعروفة إعلاميًا بـ«فتاة الإسماعيلية» التي بدأت من أبسط ما يكون: فتاة شابة تعلن إصابتها بسرطان الثدي، صور مؤثرة، تقارير طبية متداولة، واستغاثات إنسانية تفتح أبواب التعاطف على مصراعيها .. كان المشهد في بدايته إنسانيًا بامتياز؛ مرض خطير، ومجتمع لا يتأخر عن الدعم، حيناها، تدفقت التبرعات، وامتلأت الحسابات، وامتدت أيادي الخير بلا تردد لم يكن أحد يسأل كثيرًا، فمجرد ذكر كلمة «سرطان» كان كافيًا ليكسر أي حاجز من الشك

لكن مع مرور الوقت، بدأ المشهد يتغير ببطء .. التعاطف الذي بدأ كاستجابة إنسانية، تحول إلى حالة من الجدل؛ كيف تستمر حملات التبرع بنفس الزخم رغم الحديث عن تحسن الحالة؟ ولماذا لا تتوقف الاستغاثات عند انتهاء الأزمة الصحية كما هو معتاد؟ وأين انتهى مصير الأموال التي قيل إنها وصلت إلى ملايين الجنيهات؟ هل نحن أمام حالات إنسانية حقيقية، أم أمام استغلال ممنهج لمشاعر المجتمع

أسئلة لم تجد إجابات واضحة، لكنها فتحت الباب أمام موجة شك واسعة، أعادت قراءة القصة من جديد، لا بوصفها مأساة فقط، بل بوصفها نموذجًا على ظاهرة أكبر تتشكل في صمت .. خاصةً حين يتحوّل المرض وبالتحديد الأمراض الخطيرة مثل «السرطان» إلى وسيلة فعالة لجمع الأموال عبر منصات التواصل الاجتماعي بسرعة غير مسبوقة، في غياب أي نظام رقابي واضح.

ففي عالم السوشيال ميديا، لا تحتاج إلى أكثر من قصة مؤثرة وصياغة عاطفية لتصل إلى آلاف، وربما ملايين، فكلما كانت الحكاية أكثر إيلامًا، زادت فرص انتشارها، وكلما زاد الانتشار تضاعف العائد .. هنا فقط يصبح “الوجع” محتوى، ويصبح “التعاطف” مصدر دخل

“عزيزي القارئ”؛ المشكلة هنا لا تكمن في وجود مرضى يحتاجون الدعم فهؤلاء موجودون وبكثرة، بل في أن الباب أصبح مفتوحًا للجميع، دون تحقق، دون تدقيق، ودون مساءلة حقيقية وبين الصادق والمزيف، يقف الجمهور عاجزًا عن التمييز

والقانون، من جانبه، لا يزال يلاحق الظاهرة بخطوات أبطأ من انتشارها، فبينما تخضع المؤسسات الخيرية لرقابة نسبية، تظل التبرعات الفردية عبر الإنترنت مساحة رمادية، يصعب تتبعها أو محاسبة القائمين عليها، إلا في حالات محددة وبعد وقوع الضرر.

لكن الخطر الحقيقي يا “عزيزي” لا يُقاس فقط بالأموال .. إنما الخطر الأكبر هو ما يحدث في وعي الناس مع كل قصة يحيطها الشك، تتآكل الثقة، ومع كل استغاثة غير واضحة يتراجع التعاطف خطوة حتى يصل الأمر إلى أخطر نقطة: أن يُقابل مريض حقيقي بحاجة عاجلة إلى العلاج، ببرود أو تردد.. أو ربما إساءة، هنا يتحول الضرر من فردي إلى جماعي.

وهذا ما أكده أطباء في مجال الأورام أن هناك بالفعل حالات كثيرة لا تجد الدعم الكافي، ليس لأنها غير موجودة، بل لأنها لا تملك القدرة على الوصول أو التأثير .. لا صور مؤثرة، لا حملات منظمة، فقط مرض حقيقي في صمت وبين هذا الصمت، وضجيج القصص المثيرة للجدل، تضيع الأولويات.

القضية إذن ليست دعوة لإغلاق باب التبرع، بل لإعادة تنظيمه؛ ليست تشكيكًا في كل قصة، بل دعوة لقدر من الوعي يسبق التعاطف .. فالتبرع المباشر دون معرفة أو تحقق، لم يعد مجرد تصرف إنساني بسيط، بل قرار قد يحمل تبعات أوسع مما نتصور.

في النهاية، تبقى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل هي : المرض ليس سلعة والإنسانية ليست موردًا يُستغل .. «سرطان» وهمي بالملايين ليست فقط قصة تُروى، بل إنذار صريح بأن التعاطف، إن لم يُحاط بالوعي، قد يتحول من فعل إنقاذ إلى باب مفتوح للاستغلال .. يبقى السؤال مفتوحًا: كيف نحمي إنسانيتنا من أن تُستغل دون أن نفقد إنسانيتنا نفسها؟

عن حشمت عبد الحارث

شاهد أيضاً

هيام أحمد تكتب/ المتحدثون.. حين يتكلم الجهل بثقة فيقنع

المتحدثون.. حين يتكلم الجهل بثقة فيقنع في عالم يكافئ الصوت قبل المعنى، تتحول الجرأة إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *