الرئيسيةتقارير-و-تحقيقاتعرب-وعالم

حفلة على حائط أفيخاي.. نصر جديد بحرب “الساركازم” والموساد يراقب ضحكات أكتوبر

تقرير: سمر صفي الدين

في كل عام، ومع حلول ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تتحول صفحة المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على “فيسبوك” إلى ساحة مواجهة من نوعٍ آخر، لا تُستخدم فيها البنادق ولا الدبابات، بل النكتة المصرية والسخرية الشعبية.

فبينما يحاول أدرعي قلب رواية التاريخ بادعاء أن إسرائيل خرجت “منتصرة” من حرب 1973، يحتشد آلاف المصريين على صفحته ليقلبوا المشهد رأسًا على عقب، محوّلين تعليقاته إلى حفلة وطنية من “الساركازم” الذي يضرب في عمق الوعي الجمعي.

تلك الضحكات التي تملأ حائط أفيخاي ليست عفوية تمامًا، بل باتت تُرصد في مراكز الأبحاث الأمنية الإسرائيلية. حيث تتابع وحدات الاستخبارات – وعلى رأسها “وحدة ملات” المسؤولة عن العمليات النفسية – تفاعل المصريين والعرب على المنصات الرقمية باعتباره مؤشرًا على المزاج الشعبي وذاكرة النصر.

فبينما يحتفل المصريون كل عام بانتصارهم العسكري، يجد الموساد نفسه أمام معركة جديدة تُخاض على جبهة السخرية، حيث تتحول الكلمات إلى سلاح، والضحك إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية التي لا تقل وقعًا عن صوت المدافع في أكتوبر 1973.

في هذا الصدد، نناقش مع الخبير في الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أبعاد الحرب النفسية الإسرائيلية، ودور أفيخاي أدرعي كأداة ناعمة لاستفزاز المشاعر الوطنية وقياس ردود الفعل الشعبية المصرية، ومدى ارتباط هذه الأنشطة بالوحدة العسكرية المتخصصة في الحرب النفسية “ملات”.

سلاح جديد في معركة قديمة

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تقتصر على ساحات القتال التقليدية. فبينما كان ميدان المعارك في الماضي هو الأرض أو البحر أو الجو. أصبح اليوم العقل البشري هو الميدان الجديد الذي تدار فيه الحروب النفسية.

وفي هذا السياق، يؤكد اللواء محمد عبد الواحد أن الغرض من العمليات العسكرية هو احتلال الأرض. أما الهدف من الحرب النفسية فهو احتلال العقول والسيطرة على السلوك الجمعي.

ومع تطور تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الحروب أكثر تعقيدًا وخطورة.

تطور إسرائيلي مبكر

منذ خمسينيات القرن الماضي، أدركت إسرائيل أهمية الحرب النفسية كأداة موازية للقوة العسكرية.

ويشير اللواء عبد الواحدفي حديثه لـ”اليوم” إلى أن الجامعات الصهيونية ومراكز الأبحاث في تل أبيب كانت من أوائل المؤسسات التي درست علم النفس الاجتماعي وتطبيقاته في الحروب. مركزةً على دراسة المجتمعات العربية والأقليات، وفهم دوافعها وسلوكها، وكيفية توجيهها لخدمة أهداف سياسية وأمنية.

كما يضيف أن إسرائيل طورت هذه الأبحاث في إطار ما تسميه الدبلوماسية العامة “هاسبارا” (كلمة في اللغة العبرية تعني الشرح أو التفسيرأو التوضيح). وهي استراتيجية تهدف إلى التأثير في الرأي العام العربي عبر الإعلام التقليدي والرقمي. مع التركيز على اللغة العربية والعامية المحلية لكل دولة مستهدفة.

وحدات الحرب النفسية الإسرائيلية

ويوضح اللواء عبد الواحد أن هذه الجهود المؤسسية قادت إلى إنشاء ثلاث وحدات رئيسية في الجيش والمخابرات الإسرائيلية:

  • وحدة المتحدث العسكري التي يمثلها أفيخاي أدرعي، من أصول عراقية تركية. والمتخصصة في التواصل الموجه عبر الإعلام العربي.
  • الوحدة 8200، وهي تابعة للمخابرات العسكرية، وتضم عناصر تتقن العربية، مهمتها جمع المعلومات وتحليلها إلكترونيًا.
  • وحدة “ملات” (MALAT)، التي أُنشئت عام 2005 وانفصلت عن شعبة العمليات عام 2006 لتصبح وحدة مستقلة متخصصة في العمليات النفسية، وتعمل على ملء “الفراغات الإعلامية” برسائل مؤثرة تعيد تشكيل الوعي
  • والسلوك.

هذه الوحدة، بحسب اللواء عبد الواحد، “تعيد تصوير الواقع، وتغير المواقف والمشاعر. وتروض السلوك الجمعي للمجتمعات المستهدفة”، مستفيدة من علوم النفس والاجتماع ومن أدوات الذكاء الاصطناعي.

توظيف الناطقين بالعربية

في سياق متصل، يؤكد الخبير الأمني أن اختيار إسرائيل لشخصيات ناطقة بالعربية مثل أفيخاي أدرعي أو إيدي كوهين ليس عشوائيًا، بل جزء من استراتيجية ممنهجة.

فهؤلاء الناطقون — وغالبيتهم من اليهود المشرقيين أو الدروز أو من أصول عربية — يعانون من تمييز داخلي في المجتمع الإسرائيلي، ما يدفعهم لإظهار ولاء مفرط للدولة العبرية عبر تبنّي مواقف عدائية للعرب. وترويج السرديات الإسرائيلية على نحوٍ أكثر حدة.

ويقول اللواء عبد الواحد: “هؤلاء ينتمون إلى فئة مهمشة داخل إسرائيل. تسعى إلى إثبات ولائها المبالغ فيه عبر مهاجمة جذورها العربية والظهور بمظهر الجندي المخلص للدولة الجديدة.”

أهداف الحرب النفسية

ترتكز الحملات النفسية الإسرائيلية، وفقًا للواء عبد الواحد، على مجموعة من الأهداف الجوهرية:

  • خلق اليأس والإحباط داخل المجتمعات العربية عبر إظهار التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، وترويج فكرة أن المقاومة عبثية وأن “الاستسلام أفضل”.</li>
  • زعزعة الثقة بين الشعوب والقادة العرب من خلال ترويج أخبار مزيفة عن علاقات سرية أو فساد أو فشل في إدارة
  • الصراع.
  • إعادة صياغة السردية التاريخية، خاصة فيما يتعلق بحرب أكتوبر، بترويج رواية أن إسرائيل “سمحت بالعبور” وأن السلام كان انتصارها الحقيقي.
  • إثارة الفتن الطائفية والسياسية بين الشعوب العربية. باستخدام حسابات وهمية ومحتوى مزيف لتأجيج الخلافات بين دول مثل مصر والسعودية أو لبنان وفلسطين.
  • تجميل صورة الجيش الإسرائيلي عبر وصفه بأنه “الأكثر أخلاقًا في العالم”. رغم ما ترتكبه قواته من انتهاكات في غزة والضفة.

الذكاء الاصطناعي.. السلاح الجديد

يؤكد اللواء عبد الواحد أن إسرائيل انتقلت مؤخرًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم محتوى الحرب النفسية، سواء عبر روبوتات تتحدث بالعربية، أو خوارزميات تقيس التفاعل الشعبي في الزمن الحقيقي.

هذه الأنظمة، كما يقول، لا تكتفي بمتابعة التعليقات، بل تحلل المشاعر الجمعية. وتقيس مستويات العداء أو القبول تجاه إسرائيل، بل وتحدد المؤثرين الأكثر تأثيرًا داخل كل مجتمع عربي، لاستهدافهم أو مجاملتهم وفق الأهداف المرسومة.

موسم الحرب النفسية في أكتوبر

يرى اللواء عبد الواحد أن شهر أكتوبر من كل عام يمثل “موسم الذروة” للحملات النفسية الإسرائيلية الموجهة ضد مصر والعرب.

ويقول إن منشورات أدرعي في ذكرى نصر أكتوبر ليست مجرد استفزاز، بل جزء من عملية نفسية مهيكلة تستهدف تقويض رمزية النصر وإضعاف الفخر الوطني العربي.

ويضيف: “إسرائيل تسعى إلى محو رمزية أكتوبر باعتباره آخر انتصار عربي جامع. ومحاولة إعادة كتابة التاريخ بلسانها لتقول: لم تنتصروا، بل نحن من سمح لكم بالعبور.”

تحليل الردود المصرية

تتابع وحدات الحرب النفسية الإسرائيلية ردود الفعل المصرية على منشورات أدرعي بدقة. فكل تعليق ساخر أو غاضب، بحسب الخبير، هو مادة تحليلية تستخدم في قياس المزاج الشعبي والروح المعنوية.

كما تساعد هذه البيانات إسرائيل على تصنيف الجمهور المصري: من المؤيدين إلى الساخطين إلى اللامبالين، وفهم أنماط التفاعل بين الفئات المختلفة — نساء، شباب، مثقفون، مؤثرون — مما يمكنها من تطوير رسائلها بشكل أدق.

الحرب على الوعي

يرى اللواء عبد الواحد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في منشور أو تغريدة، بل في تطبيع الخطاب الإسرائيلي داخل الفضاء العربي الرقمي. فحين تتحول الدعاية إلى جزء من النقاش العام، يصبح الوعي الجمعي ذاته مهددًا.

ويحذر من أن الرد العاطفي والسخرية — رغم كونها مؤشر رفض ثقافي — تسهم أحيانًا في توسيع انتشار الرسائل الإسرائيلية لأنها تمنحها “تريند” وظهورًا أوسع.

وعي يقظ في معركة مفتوحة

يختتم اللواء محمد عبد الواحد رؤيته بالتأكيد على أن الحرب النفسية أخطر من العسكرية. لأنها لا تقاس بالخسائر المادية بل بتآكل الوعي والهوية.

ويقول: “العقل العربي هو الهدف، والوعي هو ساحة القتال. لذلك لا بد أن ندرك أن السخرية وحدها لا تكفي. وأن الرد الواعي والممنهج هو السلاح الحقيقي.”

كما يضيف أن مواجهة هذه الحرب تتطلب إعلامًا عربيًا محترفًا، وتعليمًا يعزز المناعة الفكرية. وتنسيقًا استخباراتيًا لمراقبة الأدوات الإسرائيلية الجديدة في الفضاء السيبراني.

وزاد بالقول أن إسرائيل تخوض حربًا هجينة تجمع بين النار والمعلومة، الصاروخ والمنشور. وفي زمن تتبدل فيه الجيوش إلى خوارزميات، يصبح الدفاع عن الوعي العربي مهمة قومية لا تقل أهمية عن الدفاع عن الحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى