حكم قضائي يعيد الاعتبار لقوت القلوب الدمرداشية.. وإسدال الستار على أزمة كتاب أثار جدلًا ثقافيًا واسعًا

كتبت – رحاب الحسيني

بعد جدل امتد داخل الأوساط الثقافية والأكاديمية، أُسدل الستار على قضية أثارت اهتمام المثقفين والباحثين، عقب صدور حكم قضائي نهائي يقضي بمنع تداول كتاب لوزيرة ثقافة سابقة، في واقعة أعادت اسم الأديبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية إلى دائرة الضوء، باعتبارها إحدى أبرز رائدات الأدب والعمل الإنساني في مصر.

وتُعد قوت القلوب الدمرداشية شخصية استثنائية في تاريخ الثقافة المصرية، فقد كانت من أوائل الكاتبات المصريات اللاتي قدمن أعمالًا روائية باللغة الفرنسية، ونجحت في الوصول إلى دور النشر الفرنسية، فيما تحول صالونها الأدبي إلى منبر فكري استقطب كبار الأدباء والمثقفين، وأسهم في إثراء الحركة الثقافية خلال النصف الأول من القرن الماضي.

ولم يقتصر عطاؤها على المجال الأدبي، بل امتد إلى دعم المبدعين ورعاية المواهب، إذ ارتبط اسمها بتقديم أول جائزة مالية للأديب العالمي نجيب محفوظ عن روايته «رادوبيس»، في خطوة اعتُبرت آنذاك رسالة تقدير للمبدعين ودافعًا لاستكمال مسيرتهم.

كما تركت بصمة إنسانية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم، من خلال مساهماتها في دعم القطاع الصحي والتعليمي، حيث شاركت في إنشاء مستشفى الدمرداش، وأسهمت بأوقاف وأراضٍ دعمت قيام جامعة عين شمس، إلى جانب مبادراتها في تمويل الأبحاث والخدمات الطبية.

وجاءت القضية على خلفية كتاب أثار نقاشًا واسعًا بسبب المقارنة التي تناولها بين قوت القلوب الدمرداشية ومصممة الأزياء الفرنسية كوكو شانيل، وهي مقارنة أثارت اعتراضات من عدد من الأكاديميين والباحثين الذين رأوا أنها لا تستند إلى رؤية تاريخية أو منهجية متماسكة.

وزاد الجدل بعد دراسة نقدية للدكتورة هالة فودة، أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة عين شمس، تناولت فيها الكتاب بالنقد، وأشارت إلى وجود أوجه تشابه مع أعمال سابقة للكاتبة والإعلامية سهير عبد الحميد، إضافة إلى الاستناد إلى مواد منشورة من قبل، وهو ما فتح الباب أمام نقاشات واسعة حول معايير التوثيق والاقتباس في المؤلفات الثقافية.

ومع صدور الحكم النهائي بمنع تداول الكتاب، اعتبر كثيرون أن القضية تمثل تأكيدًا على أهمية احترام حقوق الملكية الفكرية، وترسيخ قيم الأمانة العلمية، وصون الإنتاج الثقافي من أي ممارسات قد تنتقص من مصداقيته.

وتظل قوت القلوب الدمرداشية نموذجًا مضيئًا في تاريخ مصر الثقافي، بما قدمته من إسهامات أدبية وإنسانية، ودور مؤثر في دعم الفكر والإبداع، لتبقى سيرتها شاهدًا على قيمة الثقافة حين تقترن بالعطاء والمسؤولية المجتمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *