»» التحولات الجيوسياسية..تغيير حقيقي..أم عمليات تجميلية لنظام قديم..وفخ لتقاسم النفوذ؟!
•••
بينما تلهج الألسنة اليوم بالحديث عن أفول حقبة الاستفراد الدولي وبزوغ فجر عالم متعدد الأقطاب، يتكشف ببطء واقع خفي ومقلق؛ فكثيراً ما تكون التحولات الجيوسياسية مجرد عمليات تجميلية لنظام قديم، أو محاولات ذكية لإعادة تدوير آليات السيطرة السابقة بأسماء ووجوه جديدة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسانية اليوم لا يكمن فقط في كسر الاحتكار الغربي للقرار الدولي، بل في ضمان ألا ترث القوى الصاعدة ذات المنهج الاستعلائي، فتحل “أحادية جديدة” محل “أحادية قديمة” ولكن بثوب متعدد العواصم.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في شكل النظام الدولي فحسب، بل في فلسفته وجوهره؛ فهل نحن بصدد تصحيح حقيقي لمسار التاريخ، أم أننا نشهد مجرد إعادة توزيع لأدوار الهيمنة على حساب شعوب العالم النامي؟.
وهذا ما سنعرض له عبر هذه السطور ،من خلال مناقشة موجزة لمجموعة من المحاور والتساؤلات والتوقف عند بعض المحطات علي النحو التالي:
• فخ تقاسم النفوذ:
وفقا لتطورات المشهد الأممي الراهن ،نحن بصدد تساؤل يطرح نفسه بقوة : تعدد الأقطاب: هل هو تغيير جوهري أم توزيع جديد للأدوار؟..
لقد شهد العقد الأخير تسارعاً ملحوظاً في صعود قوى إقليمية ودولية كبرى تسعى لتقويض الهيمنة الأحادية الغربية وإيجاد توازن دافع للنفوذ.
ومع ذلك، فإن مجرد تعدد العواصم التي تمتلك ترسانات نووية ضخمة أو عضلات اقتصادية جبارة لا يعني بالضرورة قيام نظام عالمي عادل ومنصف.
ويخشى المراقبون والباحثون في الشأن الدولي أن يتحول التعدد القطبي إلى “ساحة محاصصة” بين الكبار، يتم فيها تقاسم مقدرات ومصالح الشعوب الضعيفة ومناطق النفوذ بالطريقة نفسها التي جرت بها مؤتمرات تقاسم تركات الإمبراطوريات القديمة، مما يجعل السيادة الوطنية للدول الصغرى سلعة رخيصة في بورصة “الكبار”.
• تصدير الأزمات لا حلها: وهو ملمح متكرر بنسخ “الكربون”، فبدلاً من تقديم بدائل أخلاقية ومؤسسية حقيقية تحترم القانون الدولي، تكتفي بعض القوى الصاعدة بنسخ ممارسات القطب الأوحد في التدخل، والضغط، وفرض الشروط السياسية، مما يبقي الهياكل الدولية أسيراً لمنطق القوة الغاشمة، ويوحي بأن هناك شيئا ما يحاك خلف الكواليس!.
• مخاوف تكرار تجربة القطب الأوحد:
إن شبح القطب الأوحد لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على الوعي العالمي، محفوفاً بمخاوف حقيقية ومبررة من استمرار سياسات الاستئثار والاستعلاء تحت شعارات براقة جديدة.
• عسكرة الاقتصاد وتوظيف العقوبات:
وهي ايضا من ملامح المرحلة، فما زالت المؤسسات المالية والنقدية العالمية تُستخدم كأداة عقاب لمن يخرج عن الطاعة، سواء عبر الآليات التقليدية للقطب القديم أو حتى عبر تفاهمات ضمنية بين القوى الكبرى على حساب استقرار واقتصادات الدول الناشئة.
• أزمات الهامش في مواجهة المركز:
إن استمرار تهميش أصوات قوى “الجنوب العالمي” والدول النامية يعني أن العالم لم يغادر بعد محطة “التابع والمتبوع”، وإن تغيرت صفة المتبوع وارتدت قبعات اقتصادية وسياسية مغايرة.
• تعدد القوى بلا أخلاق التعدد:
وبين النفعية المكلفة وإعادة التدوير، فإن أخطر ما يواجه مشروع التعددية القطبية هو انفصام القوة عن الأخلاق والقيم الإنسانية الناظمة للمجتمعات. وحين يتحول الصراع الدولي إلى مجرد “براجماتية مفرطة” ومقايضات نفعية مكلفة، تصبح العدالة الدولية سلعة قابلة للتداول والتنازل عنها عند أول مفترق طرق.
• سقوط المعايير المزدوجة:
لا يكفي أبداً أن نرفض هيمنة طرف واحد إن كنا سنقبل بمعايير مزدوجة جديدة تُبرر الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي طالما صدرت عن “القطب الحليف” أو الشريك التجاري الأبرز.
•النفعية البحتة:
إن غياب منظومة أخلاقية حاكمة للعلاقات الدولية يجعل من عالم متعدد الأقطاب غابة أشد ضراوة وتعقيداً، حيث تتعدد “الوحوش” وتتعدد معها فواتير الصراع الباهظة التي تدفعها الشعوب المكلومة من أمنها واستقرارها وتنمية اقتصادياتها.
• نحو تعدد حقيقي: وهذا لن يأتي إلا بإتاحة مساحات من الحوار والاحترام المتبادل، لكي يكون الانتقال إلى التعددية القطبية علاجاً حقيقياً لأمراض النظام الدولي المزمنة، لا مجرد “إعادة تدوير” لأزماته وهياكله المتهالكة، والأمر لا يحتاج فقط إلى توازنات عسكرية واقتصادية بحتة، بل يستوجب جذرياً ما يلي:
ـ تعدد في مساحات الحوار: بناء منصات تشاركية حقيقية وفاعلة لا تقتصر على النادي الضيق للكبار، بل تمنح الأصوات المستقلة والفاعلين الإقليميين دوراً صانعاً وأساسياً للسياسات الدولية.
ـ احترام متبادل لسيادة الهويات: الإقرار الواعي بأن التنوع الثقافي والحضاري والسياسي ليس خطراً يجب إزالته أو احتواؤه، بل هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الكوكب وبناء سلام مستدام وعادل في عالم يتسع للجميع.
• ومضات أخيرة:
إن تصحيح مسار التاريخ لن يتحقق بمجرد إبدال علم بعلم، أو عاصمة بعاصمة، أو استبدال نظام استئثار بآخر؛ بل بإرساء قواعد نظام دولي جديد يُعلي من شأن الإنسان، وينتصر للعدالة والمساواة، ويدرك تمام الإدراك أن بقاء البشرية واستمراريتها مرهون بالتعاون الفعال والمستدام ، لا بالاستئثار، وبحوار الحضارات لا بتصارع الأقطاب على حافة الهاوية!.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم