تقارير-و-تحقيقاتمقالات

د. سمر ابو الخير تكتب: كيف تعالج الأنشطة المدرسية تأخر النطق عند الأطفال؟

أحيانًا تجلس الأم أمام طفلها الذي تأخر في النطق، تنظر إلى شفتيه الصغيرة وتنتظر كلمة، ولو مكسورة الحروف، لتشعر أن قلبها عاد ينبض بالطمأنينة.

ويجلس الأب في الليل يسأل نفسه في صمت: هل قصّرت؟ هل فات الأوان؟ وبين هذا القلق الأبوي النبيل، وتلك الحيرة الموجعة، تقف «الأنشطة الطلابية» في المدرسة كفرصة ذهبية كثيرًا ما تمرّ أمامنا دون أن ننتبه لقيمتها، فرصة لتحرير صوت الطفل، وبناء ثقته بنفسه، وعلاج تأخر النطق والكلام من حيث لا ندري.

فالمدرسة ليست جدرانًا وكتبًا وجدول حصص فقط، بل يمكن أن تتحول ـ إذا أحسنّا استغلالها ـ إلى «عيادة حياة» مفتوحة، فيها مسرح ولعب وغناء وحكايات، وكلها أدوات فعّالة لعلاج تأخر الكلام وتنمية مهارات الطفل اللغوية والاجتماعية في آنٍ واحد.

في حجرة الدراسة التقليدية، يُطلب من الطفل أن يجيب بسرعة، أن يقرأ أمام زملائه، أن يحفظ ويُسمِع، فينشأ بداخله خوف من الخطأ، أو خجل من الضحك عليه، فيختار الصمت ملجأً.

لكن حين ينتقل الطفل نفسه إلى ركن النشاط، إلى حلقة الرسم، إلى جماعة المسرح، أو حتى إلى لعبة جماعية في فناء المدرسة؛ يتغير المشهد تمامًا، لا أحد هنا ينتظر منه «إجابة نموذجية»، بل ينتظرون منه أن يشارك، أن يضحك، أن يجري، أن يجرب، وهنا بالتحديد يبدأ السحر التربوي، ينطق الطفل الكلمة الأولى بلا توتر، والجملة الأولى بلا امتحان، والضحكة الأولى من قلبه لا دفاعًا عن نفسه.

تأمل طفلًا يقف في بروفة مسرحية مدرسية، يمسك ورقة دوره، يكرّر الجملة مع المعلمة: «اسمي علي، وأحب مدرستي»، قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه في الحقيقة «جلسة علاج نطقي» متنكرة في ثوب الفن، فهو يدرب عضلات اللسان والشفتين والفكّ على الحركة، يتعلم الوقوف أمام الآخرين، ينظم أنفاسه مع الكلام، يربط بين الجملة والمعنى والحركة في آن واحد، ومع كل تكرار، تصبح الجملة أسهل، والصوت أوضح، والخجل أقل.

وفي حلقات الحكي الجماعي، حين تجلس المعلمة وسط الأطفال وتبدأ قصة ثم تتوقف وتقول: «مين يكمّل الحكاية؟»، تمتد الأيدي الصغيرة، وتتحمس العيون، ويجرّب كل طفل أن يضيف جملة، أو يكمّل فكرة، وهنا يتدرب الطفل على ترتيب الكلمات، وعلى الإمساك بخيط القصة من بدايتها إلى نهايتها، وعلى نطق الجملة كاملة لا كلمة مبتورة. هو لا يشعر أنه في «اختبار»، بل في لعبة جميلة، لكن عقله ولغته يعملان بأقصى طاقتهما.

أما الأغاني والأناشيد والألعاب اللغوية، فهي كنز حقيقي لكل أسرة تخاف على نطق طفلها، فالطفل قد يرفض تكرار كلمة على شكل تمرين جاف، لكنّه يكررها عشرات المرات إذا جاءت في أغنية يحبها، أو في لعبة يتحدى فيها زملاءه: «مين ينطقها أسرع؟»، «مين يقول الكلمة الناقصة؟».

الإيقاع يحفظ المقاطع، والمقاطع تقود إلى كلمات واضحة، والكلمات تصنع جملًا كاملة، هكذا، يتحول النشيد إلى تدريب على مخارج الحروف، وتتحول بطاقة الصورة إلى جسر بين الصورة والكلمة والنطق.

وتأخر النطق في كثير من الأحيان لا يكون مشكلة لسان فقط، بل مشكلة ثقة أيضًا والطفل الذي يسخر منه من حوله حين يتلعثم، يفضّل أن يصمت على أن يجرّب.

هنا تأتي قيمة الأنشطة الجماعية سواء كانت، فريق كرة، مجموعة رسم، نادٍ علمي، مسابقة إذاعة مدرسية، في هذه الدوائر الصغيرة يتعلم الطفل كيف ينظر في عيون زملائه، كيف يطلب شيئًا، كيف يعترض بأدب، كيف يشرح فكرة، وكيف يشارك في الحوار بدل أن ينسحب منه ومع كل تجربة ناجحة، تكبر ثقته بنفسه، فيخرج صوته من خلف الجدار السميك الذي بنته الخيبة والخجل.

والأجمل من ذلك أن النشاط الطلابي لا يعمل وحده؛ بل يُصبح أكثر تأثيرًا حين تمتد خيوطه إلى البيت، حين تعود الأم من المدرسة تسأل ابنها: «احكِ لي يا بطل.. عملتم إيه في المسرح؟ قول لي الجملة اللي قلتها قدامهم»، فهي تمنحه فرصة ثانية وثالثة وعاشرة ليتدرب على ما تعلّمه، وتحوّل دقيقة أداء على المسرح إلى عشرات الدقائق من الحكي في المنزل.

وحين يجلس الأب إلى جواره، يطفئ التلفاز قليلًا، ويطلب منه أن يغني النشيد الذي ردده في الطابور، أو يشرح له لعبة الكلمات التي لعبها مع أصحابه، فإنه يرسل رسالة عميقة لابنه: «صوتك مهم، وقصتك تستحق أن تُسمع».

هنا يتحول البيت من مكان للقلق واللوم إلى امتداد دافئ لجهد المدرسة، بدل أن تنحصر الجملة اليومية في: «ليه ما بتتكلم زي باقي الأطفال؟»، تصبح: «تعالَ علّمني اللي عملتوه النهارده في النشاط»، الفرق بين الجملتين كالفرق بين من يزيد الجرح نزيفًا، ومن يضع عليه بلسمًا يشجّع على الالتئام.

من المهم أيضًا أن تدرك الأسرة أن التسامح مع «بطء التقدم» جزء من العلاج؛ فالكلمات لا تتفتح دفعة واحدة، بل تنمو كما تنمو البذرة تحت التراب، في صمت، ثم تخرج فجأة بخضرة تبهر الجميع.

قد يحتاج الطفل إلى أسابيع أو شهور من المشاركة في الأنشطة حتى نرى فرقًا واضحًا؛ المهم ألا نقطع عنه الماء والضوء ونحن في منتصف الطريق، ماء التشجيع، وضوء الفرص الكثيرة للكلام والحركة والتعبير.

إن كل نشاط طلابي حقيقي هو رسالة غير مكتوبة تقول لطفلك: «مكانك بيننا، وصوتك مسموع، ومحاولتك محترمة حتى لو تعثّرت» وكل أم وأب يقرران أن يدفعا ابنهما إلى هذا الفضاء التربوي الجميل ـ بدل سجنه أمام شاشة هاتف أو جهاز لوحي ـ إنما يمنحانه أفضل «برنامج تأهيل لغوي» مغلفًا بالفرح لا بالخوف.

لا يحتاج أطفالنا إلى مزيد من الرعب من كلمة «تأخر»، بل يحتاجون إلى مزيد من الفرص ليجرّبوا، ليخطئوا، ليضحكوا، ليتكلموا، يحتاج الطفل إلى ملعب أكثر من كرسي، إلى مسرح أكثر من شاشة، إلى حوار أكثر من أوامر مقتضبة.

فالأنشطة الطلابية ليست بندًا ثانويًا في جدول المدرسة، بل قد تكون في حياة بعض الأطفال «المفتاح الأول» الذي يفتح باب الكلام بعد صمت طويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى