في سجل الأزهر الشريف صفحات مضيئة سطرها علماء أفنوا أعمارهم في خدمة الدين والوطن، وجمعوا بين رسوخ العلم وصدق الدعوة وقوة الموقف، ومن بين هذه القامات العلمية الشامخة يبرز اسم الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق.
الذي ترك بصمة بارزة في مسيرة المؤسسة الأزهرية، وأسهم بعلمه وفكره ومواقفه الوطنية في ترسيخ مكانتها باعتبارها منارة للوسطية والاعتدال، وصوتًا للوعي الديني المستنير.
وفي ذكرى وفاته التي توافق السابع عشر من أكتوبر، تستحضر وزارة الأوقاف سيرة أحد أبرز رموز الفكر الإسلامي في العصر الحديث، وتستعيد محطات مهمة من حياته العلمية والدعوية والوطنية، التي امتزج فيها العلم بالعمل، والفكر بالممارسة، والإيمان بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة والوطن.
من قرية السلام إلى مشيخة الأزهر.. رحلة عالم صنعته المعرفة
وُلد الإمام عبد الحليم محمود في الثاني عشر من مايو عام 1910 بعزبة أبو أحمد في قرية السلام، بمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة متدينة غرست في نفسه حب القرآن الكريم والتعلق بالعلم، فحفظ كتاب الله في سن مبكرة، واتجه إلى الأزهر الشريف ليتلقى علومه الشرعية، وينهل من تراثه العلمي والفكري العريق.
ولم تتوقف رحلته العلمية عند حدود الدراسة الأزهرية، بل امتدت إلى فرنسا، حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في الفلسفة الإسلامية، في تجربة علمية أسهمت في توسيع آفاقه الفكرية، وعززت قدرته على الجمع بين أصالة التكوين الأزهري ومناهج البحث الأكاديمي الحديث.
وقد انعكس هذا التكوين العلمي المتميز على مسيرته الفكرية والدعوية، فكان عالمًا يمتلك أدوات البحث والتحليل، ومفكرًا يولي قضايا العقيدة والفلسفة والتصوف والفكر الإسلامي اهتمامًا واسعًا، مع حرصه على تقديم المعرفة الدينية بأسلوب يجمع بين العمق العلمي والوعي بمتغيرات العصر.
وتدرج الإمام الراحل في عدد من المناصب العلمية والدعوية، فعمل بمجمع البحوث الإسلامية، وتولى أمانته العامة، ثم منصب وكيل الأزهر الشريف عام 1970، قبل أن يتولى وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، وصولًا إلى مشيخة الأزهر الشريف عام 1973، ليقود المؤسسة الأزهرية في مرحلة مهمة من تاريخ مصر والمنطقة العربية.
وخلال توليه مشيخة الأزهر، أولى اهتمامًا بتطوير التعليم الأزهري، والتوسع في إنشاء المعاهد، ودعم المكتبات والمصادر العلمية، بما يعزز قدرة الأزهر على أداء رسالته في نشر العلوم الشرعية وترسيخ الوعي الديني الصحيح.
كما حرص على التواصل المباشر مع المواطنين من خلال جولاته في المدن والقرى، إيمانًا منه بأن رسالة العالم لا تقتصر على التدريس والتأليف، بل تمتد إلى المجتمع، وتستهدف بناء الإنسان، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز القيم الأخلاقية والروحية.
موقف وطني خالد.. الأزهر في قلب ملحمة أكتوبر
لم تكن مكانة الإمام عبد الحليم محمود مستمدة من علمه ومناصبه فحسب، بل ارتبطت كذلك بمواقفه الوطنية التي برزت بوضوح خلال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حين أكد أن استرداد الأرض والكرامة واجب وطني، ووقف داعمًا للقوات المسلحة المصرية في معركتها لاستعادة سيناء.
وقد مثّل موقفه في تلك المرحلة نموذجًا لدور المؤسسات الدينية في دعم الوطن وقت المحن، وتعزيز الروح المعنوية، وربط قيم الإيمان بمعاني التضحية والصمود والدفاع عن الأرض.
وفي إطار هذا الدور، حرص الأزهر الشريف على تقديم الدعم الدعوي والمعنوي للجنود، من خلال إرسال العلماء والقوافل الدعوية إلى جبهات القتال، بما يعزز الروح الإيمانية لدى المقاتلين، ويؤكد أن حماية الوطن وصون كرامته مسؤولية تتطلب تضافر جهود جميع مؤسساته.
وجسدت هذه المواقف صورة من صور التلاحم بين الأزهر الشريف والدولة المصرية في واحدة من أهم المحطات الفاصلة في التاريخ الوطني الحديث، وأكدت أن رسالة المؤسسة الدينية لا تنفصل عن قضايا المجتمع والوطن، وأن الكلمة الصادقة والموقف المسؤول يمكن أن يساهما في رفع الروح المعنوية وترسيخ الثقة في قدرة الأمة على تجاوز التحديات.
وامتدت جهود الإمام الأكبر إلى الساحة الإسلامية الدولية، حيث شارك في مؤتمرات وملتقيات متعددة، ومثّل الأزهر في عدد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، وأسهم في دعم الحوار الفكري، والتعريف برسالة الإسلام، وتعزيز حضور الأزهر بوصفه مؤسسة علمية ودعوية ذات تأثير واسع.
وعلى الصعيد الفكري، ترك الإمام الراحل تراثًا علميًّا ثريًّا في مجالات العقيدة والفلسفة والتصوف والفكر الإسلامي، وتجاوز إنتاجه مائة مؤلف وفق ما ورد في سيرته، إلى جانب أعمال التحقيق والترجمة، ومن أبرز مؤلفاته «الإسلام والعقل» و«أوروبا والإسلام» و«القرآن والنبي» و«منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع».
ويكشف هذا الإنتاج عن شخصية علمية لم تحصر اهتمامها في مجال واحد، بل سعت إلى استكشاف قضايا الفكر والحضارة، وبيان العلاقة بين العقل والإيمان، والتعريف بجوانب من التراث الإسلامي، بما يجعل مؤلفاته جزءًا من الذاكرة الفكرية للأزهر الشريف.
وفي السابع عشر من أكتوبر عام 1978، رحل الإمام الأكبر عبد الحليم محمود عن عالمنا عقب عودته من أداء فريضة الحج، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي والوطني، وصُلِّي عليه بالجامع الأزهر الشريف، لتبقى سيرته شاهدًا على دور العلماء في خدمة الدين والمجتمع، وعلى قدرة العلم المخلص على ترك أثر يتجاوز حدود الزمان والمكان.
وتأتي إحياء وزارة الأوقاف لذكرى رحيله تأكيدًا لقيمة الوفاء لعلماء الأمة الذين أسهموا في نشر الفكر الوسطي، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح، وخدمة قضايا الوطن، واستلهامًا لما قدموه من نماذج في الجمع بين العلم والعمل، والإخلاص للمؤسسات الدينية والوطنية.
لقد رحل الإمام الأكبر عبد الحليم محمود، لكن آثاره العلمية والفكرية ظلت حاضرة، شاهدة على مسيرة عالم آمن بأن العلم رسالة، وأن الدعوة مسؤولية، وأن خدمة الدين والوطن طريق للعطاء الذي لا ينقطع أثره بوفاة صاحبه.
رحم الله الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، وجزاه خير الجزاء عما قدم للإسلام والمسلمين، وجعل علمه وعطاءه في ميزان حسناته.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم