لم يتغير الشارع المصري في شكله فقط، بل تغيرت أشياء كثيرة لا تُرى بالعين، لكنها تُشعرنا كل يوم بأن مصر التي عرفناها في طفولتنا لم تعد هي مصر نفسها.
تغيرت الوجوه، وتبدلت البيوت، واختفت محال صغيرة كانت تعرف زبائنها بالاسم، وقلّت الجلسات على المقاهي، ولم يعد الجار يعرف بالضرورة من يسكن إلى جواره. حتى السلام الذي كان يسبق السؤال عن الأحوال، أصبح في أحيان كثيرة مجرد مجاملة سريعة، بينما صار كل إنسان يحمل عالمه الخاص داخل هاتف صغير لا يفارقه.
كان الشارع المصري، إلى وقت قريب، أكثر من مجرد طريق نعبره كل صباح؛ كان مساحة للحياة نفسها.
كان الجار يعرف أخبار جاره، لا بدافع الفضول، وإنما لأن العلاقة كانت تعني شيئًا. إذا مرض أحدهم طرق بابه، وإذا غاب سأل عنه، وإذا احتاج إلى شيء وجد من يقف إلى جواره.
وكانت «الجدعنة» كلمة لها معنى حقيقي.
لم يكن غريبًا أن تجد شخصًا لا تعرفه يساعد عجوزًا في عبور الطريق، أو يحمل عن امرأة شيئًا ثقيلًا، أو يتدخل لفض مشكلة قبل أن تتحول إلى خصومة. لم يكن الناس ملائكة، بالطبع، وكانت هناك خلافات ومشاحنات ومشكلات، لكن كان هناك دائمًا خيط رفيع من الإنسانية يمنع المجتمع من أن يتحول إلى مجموعة من الغرباء.
فماذا حدث؟
ربما لم يحدث شيء واحد يمكن أن نشير إليه ونقول: «من هنا بدأ التغيير».
الحياة نفسها أصبحت أكثر قسوة وسرعة. الناس تعمل أكثر، وتقلق أكثر، وتدفع أكثر، وتفكر في الغد قبل أن تنتهي من مشاكل اليوم. أصبح الوقت سلعة نادرة، وأصبح الإنسان في سباق دائم مع المصروفات والالتزامات والعمل والمواصلات وفواتير الحياة.
ومع زيادة الضغوط، ضاقت مساحة الإنسان للآخرين.
لم يعد الموظف يملك رفاهية الجلوس طويلًا مع زميله، ولا الجار لديه الوقت الكافي ليجلس مع جاره، وحتى أفراد الأسرة أنفسهم قد لا يضمنون أن يجتمعوا على مائدة واحدة دون أن تتدخل هواتفهم في الحديث.
التكنولوجيا أيضًا غيرت شكل العلاقات.
أصبح بإمكاننا أن نعرف أخبار عشرات الأشخاص في دقائق، لكننا أحيانًا لا نعرف شيئًا عن الشخص الذي يجلس بجوارنا.
نرسل التهاني بضغطة زر، ونطمئن على المريض برسالة، ونعزي في الموتى من خلف شاشة، ونعرف تفاصيل حياة أشخاص لم نلتقِ بهم قط، بينما قد يمر شهر كامل دون أن نطرق باب قريب أو صديق.
المفارقة أن وسائل التواصل جعلتنا أكثر اتصالًا، لكنها لم تجعلنا بالضرورة أكثر قربًا.
بل ربما أصبحنا نعرف عن بعضنا الكثير، ونشعر ببعضنا القليل.
هناك شيء آخر تغير أيضًا: فكرة «العيب».
كان المجتمع قديمًا يمتلك مجموعة من القواعد غير المكتوبة التي تضبط سلوك الناس. لم تكن كلها صحيحة بالطبع، وبعضها كان يحتاج إلى التغيير، لكن وجود فكرة أن هناك أشياء «لا يصح أن نفعلها» كان يمنح الحياة قدرًا من الانضباط.
اليوم، يبدو أن كثيرًا من هذه الحدود تراجعت.
أصبح بعض الناس يتعاملون مع الشارع وكأنه ملكية خاصة، ومع الطريق وكأنه حلبة سباق، ومع حقوق الآخرين وكأنها أمور قابلة للتفاوض.
إلقاء القمامة، رفع صوت الموسيقى، تجاوز الدور، الاعتداء اللفظي، التنمر، وافتعال المشكلات.. كلها صور صغيرة، لكنها تقول شيئًا أكبر عن علاقتنا بالمكان وببعضنا البعض.
ومع ذلك، سيكون ظلمًا كبيرًا أن نقول إن «المصريين تغيروا إلى الأسوأ»، وكأن الحكاية انتهت.
فالجدعنة لم تختفِ.
هي فقط لم تعد دائمًا ظاهرة كما كانت.
ما زال هناك من يقف بجوار الغريب، ومن يدفع عن غيره أجرة المواصلات، ومن يفتح بيته لجاره، ومن يتدخل لإنقاذ إنسان في موقف صعب، ومن يرفض أن يرى الظلم ويمضي في طريقه.
ما زالت مصر تحتفظ بجزء كبير من روحها القديمة، لكنها أصبحت مدفونة تحت طبقات من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
ربما نحن لا نحتاج إلى أن نعود إلى الماضي، فهذا مستحيل وغير مطلوب.
المطلوب أن نأخذ من الماضي ما كان جميلًا، ونضيف إليه ما تعلمناه من الحاضر.
أن نستعيد معنى الجيرة دون أن نفقد الخصوصية.
أن نستعيد الجدعنة دون أن نخلط بينها وبين التدخل في حياة الآخرين.
أن نستعيد احترام الكبير دون أن نطلب من الصغير أن يتنازل عن حقه.
وأن نفهم أن الشارع ليس مجرد إسفلت ومحال وسيارات، وإنما هو المرآة التي نرى فيها أنفسنا.
مصر لا تزال هنا.
في البائع الذي يترك آخر قطعة خبز لمن لا يملك ثمنها كاملًا، وفي السائق الذي يتوقف ليساعد شخصًا تعطلت سيارته، وفي جار يطرق باب جاره ليسأل: «محتاج حاجة؟»، وفي شخص لا يعرفك لكنه يمد يده إليك عندما تقع.
هذه الأشياء الصغيرة هي التي صنعت يومًا ما ما كنا نسميه «روح الشارع المصري».
وربما السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث لروح الشارع المصري؟
بل: هل نستطيع أن نستعيدها قبل أن يصبح كل واحد منا جزيرة تعيش وسط ملايين البشر؟
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم