عيد وحيدة
في زمن أصبحت فيه الأرقام تتصدر المشهد، والصور تختصر الحكايات، والمظاهر أحيانًا تسبق الحقائق، بات من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم النجاح، وأن نتساءل: هل كل ما نراه من مظاهر التقدم يعكس بالضرورة تقدمًا حقيقيًا؟ وهل يمكن أن نقيس نهضة المجتمعات بما تشيده من مبانٍ، وما تنفذه من مشروعات، دون أن ننظر إلى الإنسان الذي من المفترض أن تكون كل هذه الإنجازات من أجله؟
لا شك أن المشروعات القومية والبنية التحتية والتطور العمراني تمثل ركائز أساسية في بناء الدول الحديثة، ولا يمكن التقليل من قيمتها أو تجاهل أثرها في صناعة المستقبل، لكن الخطأ يبدأ حين تتحول الوسائل إلى غايات، وحين يصبح الإنجاز في حد ذاته أهم من أثره المباشر في حياة المواطن.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك طرقًا واسعة ومدنًا حديثة ومؤسسات ضخمة، بل هي أيضًا الدولة التي يستطيع مواطنها الحصول على تعليم جيد، ورعاية صحية لائقة، وفرصة عمل عادلة، وحياة تحفظ له كرامته وتمنحه شعورًا حقيقيًا بالأمان والاستقرار.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما تراه العين وحدها، فهناك إنجازات لا تلتقطها الكاميرات، ولا تتصدر عناوين الأخبار، لكنها ربما تكون أكثر تأثيرًا في مستقبل الأوطان. هناك طفل يحصل على تعليم جيد، وشاب يجد فرصة يستحقها، وموظف يشعر أن جهده محل تقدير، ومواطن يجد من يسمعه حين يطلب حقًا أو يبحث عن إنصاف.
هذه التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في حسابات الأرقام، هي في الحقيقة المقياس الأعمق لنجاح أي تجربة تنموية.
ولعل التحدي الأكبر أمام المجتمعات الحديثة لم يعد فقط في امتلاك الموارد، وإنما في حسن إدارتها، وتحويلها إلى فرص حقيقية، وفي القدرة على تحقيق التوازن بين طموحات الدولة واحتياجات مواطنيها. فالمشروعات مهما بلغت ضخامتها تظل بحاجة إلى إنسان مؤهل يديرها، ومجتمع واعٍ يحافظ عليها، ومؤسسات تضمن أن ثمار التنمية تصل إلى مستحقيها.
ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان باعتباره الاستثمار الأكثر استدامة، فالمباني قد تتغير، والطرق قد تتجدد، والتكنولوجيا قد تتطور، لكن الإنسان الواعي والمتعلم والقادر على الابتكار يظل الثروة الحقيقية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
كما أن النجاح لا ينبغي أن يكون مجرد صورة مثالية نحرص على تقديمها، بل تجربة واقعية قابلة للتقييم والمراجعة والتطوير. فالمجتمعات التي تتقدم حقًا ليست تلك التي تنكر التحديات، وإنما التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بها والعمل على تجاوزها. والنقد الموضوعي ليس خصمًا من رصيد الإنجاز، بل قد يكون أحد أهم أسباب استمراره وتصحيحه.
إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة في تقييم النجاح، ثقافة لا تنبهر بالمظهر على حساب الجوهر، ولا تختزل التنمية في أرقام منفصلة عن الواقع، ولا تعتبر الاعتراف بالتحديات انتقاصًا من قيمة ما تحقق.
فليس المطلوب أن نتوقف عن البناء، بل أن نوسع مفهوم البناء؛ نبني الطرق، ونبني معها الوعي، ونقيم المدن، ونقيم معها الإنسان، ونحقق الإنجازات المادية، ونحرص في الوقت نفسه على أن يشعر المواطن بأن له نصيبًا حقيقيًا من ثمارها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن قيمة الإنجاز لا تكمن في حجمه وحده، وإنما في أثره. فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يبدو عظيمًا يحقق بالضرورة الغاية المنشودة. أما الإنجاز الحقيقي، فهو ذلك الذي يترك أثرًا في حياة الناس، ويصنع مستقبلًا أفضل، ويجعل الإنسان يشعر أن الغد يحمل له فرصة تستحق الانتظار وعلي سبيل المثال الحي
هاهي مصرنا العظيمه تسير علي خريطة الانجازات مع ايجابية التنفيذ علي ارض الواقع.فقيادتنا الرشيده تعمل بلا كلل. او ملل..
وشعب مصر الواعي .والدارك للأمور وراء جيشها وقيادتها…
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم