سها البغدادي: الحرب على إيران تخدم التفوق الإسرائيلي وليس الديمقراطية

أكدت الباحثة في الشؤون العربية سها البغدادي، أن التطورات المتسارعة المرتبطة بالمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يجب قراءتها في إطارها الاستراتيجي الحقيقي بعيدًا عن الخطابات السياسية والإعلامية التقليدية التي تروج لفكرة أن هذه الحرب تُخاض من أجل نشر الديمقراطية أو حماية أمن المنطقة.
وأوضحت سها البغدادي في تصريح لـها أن القراءة الموضوعية لطبيعة الصراع تشير بوضوح إلى أن الهدف الأساسي للحرب الدائرة حول إيران يتمثل في حماية التفوق العسكري والاستراتيجي لإسرائيل داخل الشرق الأوسط، باعتبارها الحليف الأكثر أهمية للولايات المتحدة في المنطقة، مشيرًة إلى أن الحفاظ على هذا التفوق ظل لسنوات طويلة أحد الركائز الأساسية في الاستراتيجية الأمريكية لإدارة التوازنات الإقليمية.
وأضافت “البغدادي” أن هذا التفسير لا يعني إنكار حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن السياسات الإقليمية لإيران منذ قيام الثورة الإيرانية 1979 أسهمت في خلق حالة من التوتر والقلق داخل عدد من الدول العربية، خصوصًا في منطقة الخليج العربي، حيث تبنت طهران منذ ذلك الوقت مشروعًا سياسيًا يقوم على توسيع النفوذ خارج حدودها الجغرافية تحت شعار “تصدير الثورة”، وهو ما انعكس في تدخلات متعددة في عدد من الملفات الإقليمية.
وأشارت إلى أن المفارقة الإستراتيجية تكمن في أن الفلسفة التوسعية التي حكمت جزءًا من السياسات الإيرانية في المنطقة تتقاطع في بعض جوانبها مع العقيدة الأمنية التي قامت عليها إسرائيل منذ نشأتها، موضحًة أن الكيان الإسرائيلي اعتمد منذ قيامه على فكرة التفوق العسكري المطلق وإضعاف البيئة الإقليمية المحيطة به لمنع ظهور أي قوة قادرة على تهديده استراتيجيًا.
وأضافت أن الحفاظ على هذا التفوق لم يعد مجرد تصور نظري في السياسة الإسرائيلية، بل أصبح سياسة مدعومة بشكل كامل من الولايات المتحدة التي التزمت تاريخيًا بالحفاظ على ما يُعرف بالتفوق العسكري النوعي لإسرائيل داخل المنطقة.
وفي المقابل، أوضحت أن المشروع التوسعي الإيراني لا يرتبط بطبيعة الشعب الإيراني بقدر ما يرتبط بطبيعة النظام السياسي الحاكم، مؤكدًة أن المجتمع الإيراني في حقيقته مجتمع متنوع يضم تيارات واسعة تتطلع إلى بناء دولة تهتم بتطوير الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة، بدلًا من الانخراط في صراعات نفوذ إقليمية مكلفة.
كما أشارت إلى أن السنوات الأخيرة كشفت أيضًا عن وجود ثغرات أمنية واستخباراتية داخل بعض مؤسسات الدولة الإيرانية، بعد سلسلة من العمليات والاختراقات التي استهدفت منشآت ومراكز حساسة، وهو ما أظهر حجم التحديات التي تواجهها طهران على المستوى الداخلي.
وشددت على أن رفض الحرب على إيران لا يعني الدفاع عن سياسات النظام الإيراني، بل يعني رفض منطق الحروب التي تُدار لتحقيق أهداف الهيمنة الإقليمية، موضحًة أن هذه المواجهة – إذا إستمرت – لن تخدم الشعب الإيراني ولا الشعوب العربية، بل قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وأضافت أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى إيران فقط باعتبارها خصمًا إستراتيجيًا، بل أيضًا كعنصر ضمن معادلة التوازنات التي تدير بها النظام الأمني في المنطقة، موضحًة أن إستمرار وجود تهديد إيراني لدول الخليج يؤدي إلى تعزيز سباق التسلح في المنطقة، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم.
وأوضحت أن هذه المعادلة، التي تقوم على وجود تهديد دائم يقابله تسلح دائم، أصبحت جزءًا من بنية الإقتصاد العسكري الأمريكي، حيث يستفيد المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة بشكل مباشر من استمرار حالة التوتر الإقليمي.
وأشارت إلى أن الهدف الحقيقي لأي مواجهة عسكرية محتملة مع إيران قد لا يكون إسقاط النظام الإيراني بالكامل، بل تحجيم قدراته العسكرية والإستراتيجية بما يمنع تحوله إلى قوة إقليمية قادرة على تهديد التفوق الإسرائيلي، مع الإبقاء في الوقت ذاته على مستوى معين من التوتر الإقليمي الذي يضمن إستمرار معادلة الردع والتسلح.
وفيما يتعلق بالموقف المصري، أكدت علي أن القاهرة تعاملت مع الأزمة بقدر كبير من الحكمة والاتزان منذ اللحظة الأولى لتصاعد التوتر، حيث تحركت الدولة المصرية عبر قنوات سياسية ودبلوماسية متعددة لمتابعة تطورات الموقف وفتح قنوات اتصال مع عدد من الدول الخليجية.
وأوضحت أن التحركات المصرية ركزت على ضرورة تجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة، مشيرًا إلى أن القيادة المصرية تسعى إلى تشجيع الحلول الدبلوماسية وفتح مسارات للحوار بين الأطراف المختلفة.
وأشارت إلى أن مصر تبنت في هذه الأزمة نهج “الحياد الإيجابي”، الذي يقوم على دعم الاستقرار الإقليمي والعمل على احتواء التصعيد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح الاستراتيجية العربية.
وأختتمت تصريحها بالتأكيد على أن شعوب الشرق الأوسط تظل الخاسر الأكبر من استمرار الصراعات الجيوسياسية في المنطقة، سواء كان ذلك في إيران أو في العالم العربي، داعيًا إلى تبني مقاربة إقليمية جديدة تقوم على الحوار والتوازن الاستراتيجي بدلًا من منطق الحروب المفتوحة التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى مزيد من الدمار والاستنزاف.




