أخبار

شيخ الأزهر: إنصاف المرأة وتيسير الزواج صمام أمان الأسرة المسلمة

 

كتب: مصطفى علي

في مشهد فكري وديني بالغ الدلالة، احتضن مركز الأزهر للمؤتمرات مؤتمرًا دوليًا رفيع المستوى بعنوان: «استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي»، نظمه الأزهر الشريف بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة ومنظمة تنمية المرأة (WDO).

جاء ذلك بحضور رسمي رفيع تقدمه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ونخبة واسعة من العلماء والمفكرين والإعلاميين والمثقفين من مختلف أقطار العالم الإسلامي.

وفي كلمة وُصفت بأنها من أكثر الكلمات صراحة وعمقًا في تشخيص واقع المرأة المسلمة، رسم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، خريطة فكرية متكاملة لقضية المرأة، متناولًا جذورها التاريخية، وتشوهاتها المعاصرة، والتحديات الكبرى التي تواجه الأسرة المسلمة في ظل موجات فكرية عاتية تهدد بنيانها وقيمها.

شيخ الأزهر: مؤتمرنا يسبح عكس التيار الذي دمّر الأسرة الغربية

أكد الإمام الأكبر أن هذا المؤتمر لا ينعقد في فراغ، بل يأتي في لحظة تاريخية شديدة الخطورة، حيث تتعرض الأسرة الإنسانية وليس المسلمة فقط لهزات فكرية وأخلاقية غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن المؤتمر «يسبح ضد أمواج عاتية» نجحت في تفكيك الأسرة الغربية بعد أن استسلمت لنظريات وأطروحات ثورية أعادت تعريف الأسرة، وغيّرت مفاهيم الزواج والأمومة والأبوة.

وأوضح شيخ الأزهر أن بعض هذه الأطروحات، التي تبلورت في العقود الأخيرة، لم تكتفِ بالمطالبة بحقوق المرأة، بل تحولت إلى ثورة على مؤسسة الأسرة ذاتها، متأثرة بكتابات وأفكار غربية مثل أطروحات الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار، التي وصفت الزواج بأنه «سجن أبدي للمرأة» واعتبرت الأمومة «عبودية تناسلية».

وتوقف الإمام الأكبر عند تطور الحركات النسوية في الغرب، والتي تحولت من مطالب إصلاحية إلى منظمات مؤدلجة تحت مسمى «الفيمينزم» أو «نظرية الحقوق الجديدة»، لافتًا إلى أن هذه الحركات طالبت بإعادة تعريف الأسرة، واستبعاد نموذج الزوج والزوجة، واستبداله بمصطلح «الشريك»، بل والترويج لأشكال أسرية جديدة تقوم على علاقات بين رجلين أو امرأتين.

وأضاف أن هذه التحولات لم تقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى ظهور مفاهيم جديدة مثل «الأم البيولوجية» و«الأم الاجتماعية»، وصولًا إلى تقنيات الإنجاب الصناعي والرحم الصناعي، التي تتيح نظريًا الاستغناء الكامل عن الرجل، وتحويل الإنجاب إلى عملية تقنية تُدار خارج الجسد الإنساني، وفق مواصفات تُحددها الرغبات لا القيم.

الإسلام والمرأة: كلمة تاريخية في عالم كان معاديًا لها

وانتقل شيخ الأزهر إلى الزاوية الأولى في قراءة قضية المرأة، مؤكدًا أن شريعة الإسلام جاءت في لحظة تاريخية كانت فيها الإنسانية جمعاء شرقًا وغربًا تمارس أشكالًا متعددة من إهانة المرأة وامتهان كرامتها، سواء في الحضارات اليونانية والرومانية، أو في بعض الديانات والفلسفات التي حمّلت المرأة وحدها مسؤولية الخطيئة الأولى، أو في جاهلية العرب التي حرمت المرأة من أبسط حقوقها.

وشدد الإمام الأكبر على أن الإسلام لم يصمت أمام هذا الواقع، بل أعلن ثورة أخلاقية وتشريعية غير مسبوقة، حين خاطب القرآن البشرية كلها بنداء المساواة الإنسانية:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}.

وأكد أن هذه الآيات وغيرها أرست فلسفة جديدة للأسرة، قوامها السكن والمودة والرحمة، لا الصراع والهيمنة، ولا الإقصاء أو التمييز.

وبيّن شيخ الأزهر أن النبي محمد ﷺ لم يكتفِ بالتشريع النظري، بل ترجم هذا الإنصاف إلى مواقف عملية، حين أعلن في أصقاع العرب أن «النساء شقائق الرجال»، وجعل الوصية بالنساء من آخر كلماته وهو يودع الحياة.

وأشار إلى أن الإسلام منح المرأة حقوقًا سبقت بها نظيراتها في العالم بأربعة عشر قرنًا، من بينها حق الميراث، وحق التعليم، وحق اختيار الزوج، والاستقلال المالي، والاحتفاظ باسمها وهويتها، والمساواة في التكاليف والمسؤوليات، بل ومنحها حق الخلع كما منح الرجل حق الطلاق.

مفارقة مؤلمة: شريعة منصفة وواقع مشوّه

ورغم هذا الرصيد التشريعي الهائل، أقرّ شيخ الأزهر بوجود مفارقة مؤلمة، تتمثل في أن واقع المرأة المسلمة لا يزال بعيدًا عن روح الإسلام وفلسفة تشريعاته، مرجعًا ذلك إلى الزاوية الثانية في التحليل، وهي تغلّب العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية على النصوص الشرعية.

وأوضح أن هذا الانحراف أنتج ثقافة شعبية صادرت كثيرًا من حقوق المرأة، وحوّلتها إلى نموذج للضعف والانزواء والصبر القسري على الظلم، في الوقت الذي استطاعت فيه المرأة في مجتمعات أخرى رغم افتقادها لهدي الشريعة أن تنتزع حقوقها.

وأكد الإمام الأكبر أنه لا يدعو إلى استنساخ النموذج الغربي، محذرًا من أن تقليده سيكون «استجارة من الرمضاء بالنار»، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة مواجهة حالة التيه والاضطراب التي تعيشها المرأة المسلمة نتيجة الخلط بين الدين والعادات.

المغالاة في المهور

وفي الزاوية الثالثة، سلط شيخ الأزهر الضوء على واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية، وهي المغالاة في المهور، معتبرًا إياها نتاجًا مباشرًا لثقافة شعبية منحرفة صمت عنها العلماء طويلًا.

وأوضح أن الشريعة الإسلامية دعت بوضوح إلى يسر المهور، معتبرة المهر رمزًا للرغبة الصادقة لا وسيلة للمباهاة أو الاستنزاف، مستشهدًا بمواقف النبي ﷺ الذي قبل مهرًا خاتمًا من حديد، بل وجعل حفظ سورة من القرآن مهرًا، دون أن ينتقص ذلك من قدر المرأة أو قدسية الزواج.

من عمر بن الخطاب إلى أزمات العنوسة

واستحضر شيخ الأزهر موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي حذر من المغالاة في المهور، قبل أن يتراجع احترامًا لنص القرآن، موضحًا أن الآية لا تشجع على الغلو، بل تؤكد أن المهر حق خالص للمرأة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى