كتب:مصطفى على
في لقاء حافل بالرسائل الدبلوماسية والفكرية، استقبل فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، صباح اليوم الأربعاء، وفد السفراء المصريين الجدد الموفدين إلى 22 دولة حول العالم، في إطار مهامهم الجديدة لتمثيل الدولة المصرية في الخارج.
اللقاء الذي انعقد بمشيخة الأزهر الشريف حمل بعدًا خاصًا في توقيته ومضمونه، حيث جاء في سياق التأكيد على أهمية القوة الناعمة المصرية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، في دعم السياسة الخارجية المصرية، وتقديم صورة ناصعة للإسلام الوسطي الذي يدعو للسلام والعيش المشترك.
شيخ الأزهر يهنئ السفراء ويدعوهم لتبني رسالة الوسطية
في مستهل اللقاء، هنأ فضيلة الإمام الأكبر السفراء الجدد على ثقة الدولة فيهم واختيارهم لتمثيل مصر، داعيًا الله أن يوفقهم في مهامهم، وأن يكونوا واجهة مشرفة للدولة المصرية في الخارج.
وأكد فضيلته أن الأزهر الشريف مستعد للتعاون الكامل مع السفارات المصرية حول العالم، من خلال دعم مبعوثيه، وتقديم البرامج التوعوية والتدريبية، وفتح قنوات اتصال مباشرة لتيسير أي مهام تتعلق بتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، أو الرد على حملات التشويه الفكرية والإعلامية.
المنهج الأزهري.. تعددية فكرية وعقل نقدي
أوضح شيخ الأزهر أن المنهج الأزهري يقوم على إرساء ثقافة التعددية الفكرية في نفوس طلابه، من خلال دراسة مختلف المذاهب والآراء الفقهية، وتشجيعهم على تبني عقلية نقدية متوازنة، لا تنغلق على رأي واحد، بل تتسع لفهم الآخر واحترام الاختلاف.
وأضاف أن الطالب الأزهري يعتاد منذ بداية طلبه للعلم على التعايش مع الاختلاف، في الفقه واللغة والعقيدة، وهو ما يثمر خريجين يتمتعون بمرونة فكرية وقدرة على الحوار والانفتاح على العالم.
خريجو الأزهر.. سفراء الفكر المعتدل
أشار فضيلة الإمام الأكبر إلى أن الأزهر الشريف، وعلى مدار تاريخه الممتد لأكثر من ألف عام، قد أنشأ شبكة من الخريجين الوافدين من مختلف أنحاء العالم، الذين أصبحوا علماء وقادة ودبلوماسيين، يحملون رسالة الأزهر إلى بلادهم، ويشكلون قوة ناعمة حقيقية داعمة لمصر ومحبة لها.
وأكد أن هؤلاء الخريجين ظلوا على ولائهم وامتنانهم لمصر وللأزهر الشريف، لما وجدوه من علم نافع وتعامل كريم ومناهج وسطية، جعلتهم نماذج للنجاح والاعتدال في بلادهم.
منح دراسية واسعة وتوسيع دائرة التأثير
وفي إطار تطوير الرسالة التعليمية للأزهر، كشف الإمام الطيب عن أن الأزهر أصبح يقدم منحًا دراسية واسعة النطاق، تشمل العلوم الشرعية والعربية، بالإضافة إلى التخصصات العلمية مثل الطب، والهندسة، والصيدلة، في استجابة لاحتياجات الدول الشقيقة، خاصة في إفريقيا وآسيا.
وأضاف أن خريجي هذه التخصصات من الأطباء والمهندسين الأزهريين أصبحوا رُسلًا للسلام في مجتمعاتهم، يُعرِّفون برسالة الأزهر من خلال أخلاقهم وسلوكهم المهني المعتدل، ويساهمون في رفع مستوى الخدمات والتنمية في بلدانهم.
بعثات الأزهر في الخارج تحت رعاية الدولة
شدد شيخ الأزهر على ضرورة متابعة شؤون مبعوثي الأزهر في الخارج، وتقديم الدعم الكامل لهم، مؤكدًا أن هؤلاء المبعوثين يمثلون الدولة المصرية والأزهر معًا، ولا بد من تذليل العقبات أمامهم حتى يحققوا رسالتهم التعليمية والدعوية.
وكشف فضيلته عن توجه الأزهر مؤخرًا إلى استقطاب خريجيه المتميزين من الدول الإفريقية، ومنحهم صلاحيات البعثة الأزهرية في بلادهم، للاستفادة من معرفتهم العميقة بثقافة مجتمعاتهم، ورفع كفاءة التوعية الدينية في بيئاتهم المحلية.
برامج تدريبية حديثة للأئمة والوعاظ حول العالم
وفي سياق التوعية الفكرية، أشار الإمام الطيب إلى أن الأزهر الشريف أعد برامج تدريبية متخصصة للأئمة والوعاظ داخل مصر وخارجها، من خلال أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والدعاة، وتتناول هذه البرامج قضايا معاصرة مثل موقف الإسلام من المرأة، والتطرف، والتعايش، والاندماج الإيجابي في المجتمعات غير المسلمة.
وأوضح أن هذه البرامج تشمل كذلك زيارات ميدانية، للاطلاع على النموذج المصري في التعايش بين المسلمين والمسيحيين، مما يعمّق الفهم الواقعي ويمنح الأئمة أدوات خطاب متطورة.
اللغة العربية.. وسيلة لتعميق الهوية الدينية
تناول فضيلة الإمام الأكبر دور الأزهر في نشر اللغة العربية حول العالم، مشيرًا إلى انتشار مراكز تعليم اللغة العربية التابعة للأزهر في عدة دول، وخطة التوسع المستقبلي في هذا المجال، لتعليم أبناء الجاليات العربية والمسلمة لغة القرآن، مما يسهم في ربطهم بهويتهم الدينية والثقافية.
وأكد الأزهر استعداده التام لتوفير المعلمين والمناهج والخبراء اللازمين لتأسيس مراكز جديدة، استجابة لاحتياجات الجاليات والدول المهتمة.
إشادة السفراء: الأزهر قلب الإسلام النابض
من جانبهم، أعرب السفراء الجدد عن سعادتهم البالغة بلقاء فضيلة الإمام الأكبر، مؤكدين إدراكهم التام لأهمية الأزهر في العالم، ومكانته المرموقة كأهم مرجعية سنية، وركيزة أساسية من ركائز الدبلوماسية المصرية الناعمة.
وأشار السفراء إلى أنهم لمسوا في تجاربهم السابقة في الخارج الاحترام الكبير الذي يحظى به الأزهر في الدول التي عملوا بها، ووصفوه بأنه “القلب النابض للإسلام الحقيقي”، ونموذج يُحتذى به في الاعتدال والانفتاح والتسامح.
مرصد الأزهر ومراكز اللغة العربية.. أدوات حيوية
أثنى السفراء على الدور المتنامي لـمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، والذي يعمل على رصد الفكر المتطرف بلغات متعددة، ويُعَدّ نموذجًا يحتذى عالميًّا في هذا المجال، مشيرين إلى سعيهم لتفعيل الاستفادة من أنشطته داخل السفارات المصرية، وفق خصوصية كل دولة.
كما أكدوا على أهمية مراكز الأزهر لتعليم اللغة العربية في أوروبا، كونها تمثل نقطة ارتكاز للجاليات المسلمة، وتعزز الارتباط بالقرآن الكريم والهوية الإسلامية.
سفراء يمثلون مصر في 22 دولة
وقد ضم الوفد رفيع المستوى مجموعة من السفراء والوزراء المفوضين المعينين في دول من مختلف القارات، أبرزها الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، روسيا، اليابان، فرنسا، السعودية، تركيا، عمان، الأردن، فيتنام، المكسيك، كولومبيا، كينيا، مالطا، وأرمينيا، وغيرهم.
وجاء اللقاء في إطار تفعيل التعاون بين المؤسسات الوطنية والدبلوماسية، لتعزيز مكانة مصر الحضارية، ونقل رسائلها الثقافية والفكرية إلى العالم، من خلال شراكات حقيقية تقوم على الثقة، والاعتدال، والانفتاح الحضاري.
ختامًا، جاء لقاء شيخ الأزهر بالسفراء الجدد ليؤكد أن رسالة الأزهر لم تعد قاصرة على الجدران، بل أصبحت رافدًا محوريًا من روافد القوة الناعمة المصرية، وشريكًا فاعلًا في رسم ملامح الدبلوماسية العالمية الجديدة، التي ترتكز على الحوار، والاحترام المتبادل، والتعايش السلمي.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم