كتب: مصطفى علي
في مشهد يعكس عمق الروابط الوطنية والإنسانية، زار فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الاثنين، قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، لتقديم التهنئة بأعياد الميلاد المجيد، في لقاء تجاوز بروتوكول التهنئة التقليدية ليحمل رسائل فكرية وإنسانية وسياسية عميقة، تعكس رؤية المؤسستين الدينيتين الأكبر في مصر تجاه واقع العالم المضطرب ومستقبل التعايش والسلام.
الزيارة، التي جاءت بمشاركة وفد أزهري رفيع المستوى، أعادت التأكيد على أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا موسميًا، بل ممارسة راسخة تتجدد في كل مناسبة، وتترسخ بالفعل المشترك والكلمة المسؤولة في لحظات التحدي.
شيخ الأزهر: اللقاءات المتجددة تُعيد الإحساس بالأخوة الإنسانية والوطنية
في مستهل اللقاء، أكد الإمام الأكبر أن هذه الزيارة تمثل تقليدًا وطنيًا وإنسانيًا أصيلًا، قائلًا: «جئنا لنقدم لكم التهنئة وللإخوة المسيحيين بمناسبة عيد الميلاد المجيد، ولنؤكد أن هذا اللقاء المتجدد يرسخ في وجداننا الإحساس بالأخوة الإنسانية التي تربط الناس جميعًا، وأخوة الوطن التي نعتز بالانتماء إليها».
وأوضح شيخ الأزهر أن مثل هذه اللقاءات ليست مجاملات اجتماعية، بل رسائل عملية تؤكد أن المصريين شركاء في وطن واحد، وأن ما يجمعهم من قيم إنسانية ومصير مشترك يفوق أي اختلافات دينية أو ثقافية.
المواطنة في صدارة خطاب الأزهر
وشدد الإمام الأكبر على أن الأزهر الشريف جعل من مفهوم “المواطنة” ركيزة أساسية في خطابه الديني والفكري، إدراكًا لأهميته في بناء الأوطان المستقرة، موضحًا أن الأزهر عقد مؤتمرًا دوليًا خاصًا بالمواطنة، أسهم في تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة.
وأشار فضيلته إلى أن الجهود المشتركة نجحت، بفضل الله، في تجاوز مصطلح “الأقليات” بما يحمله من دلالات سلبية، مؤكدًا أن المصريين جميعًا متساوون في الحقوق والواجبات، وأن التنوع الديني والثقافي يمثل مصدر قوة لا ضعف.
العالم فقد عقله.. تحذير من نذير خطير
وفي قراءة عميقة للمشهد العالمي، تحدث شيخ الأزهر بلهجة صريحة عن المآسي التي يعيشها الإنسان المعاصر، مؤكدًا أن العالم اليوم «فقد عقله وفقد الحكمة في التعامل مع الأمور»، معتبرًا أن ما يشهده العالم من حروب وصراعات يمثل نذيرًا خطيرًا يهدد مستقبل الإنسانية.
ودعا الإمام الأكبر صناع القرار في العالم إلى مراجعة مواقفهم، والعودة إلى منطق الأخوة الإنسانية بدلًا من منطق القوة والهيمنة، قائلًا: «نسأل الله أن يهدي أصحاب القرار العالمي إلى رشدهم وصوابهم، وأن يتعاملوا مع الشعوب من منطلق الأخوة الإنسانية، لا بمنطق السلاح والدمار».
دعوة لإنهاء الحروب العبثية واستعادة إنسانية الإنسان
وأضاف شيخ الأزهر أن الحروب الجائرة والعبثية التي تعصف بالعالم اليوم أصابت الإنسانية بانتكاسة غير مسبوقة، داعيًا الله أن يُعجل بنهايتها، وأن يُخلص البشرية من دوامة العنف والصراعات التي تهدد حاضرها ومستقبلها.
وأكد أن الأديان، في جوهرها، جاءت لصون كرامة الإنسان ونشر السلام، لا لتبرير القتل أو إشعال الفتن، مشددًا على ضرورة استعادة القيم الأخلاقية والإنسانية التي قامت عليها الحضارات الحقيقية.
رسالة الأديان.. طريق الخلاص وبداية حضارة جديدة
واختتم الإمام الأكبر حديثه بدعوة واضحة لتفعيل رسالة الأديان في خدمة الإنسان، قائلًا: «نسأل الله أن يعيننا على خدمة وطننا، وتقديم رسالة أدياننا ونشرها، لتشرق شمس الحضارة الحقيقية من جديد، وتذهب حضارة الدم والحروب»، في إشارة إلى أن السلام لا يُصنع بالقوة، بل بالقيم والعدل والرحمة.
البابا تواضروس: الزيارة تزيد الفرح وتشهد على وحدة المصريين
من جانبه، رحب قداسة البابا تواضروس الثاني بالإمام الأكبر والوفد المرافق، معربًا عن سعادته بهذه الزيارة التي وصفها بـ«العزيزة والغالية»، مؤكدًا أنها تضيف فرحًا إلى فرح، وتعكس عمق العلاقة التي تجمع أبناء الوطن الواحد.
وأشار البابا إلى أن هذه اللقاءات تمثل شهادة حية على وحدة المصريين، مسلمين ومسيحيين، وعلى خصوصية التجربة المصرية في التعايش والاحترام المتبادل.
تهنئة خاصة في عيد ميلاد الإمام الأكبر الثمانين
وخلال اللقاء، حرص قداسة البابا تواضروس على تهنئة الإمام الأكبر بمناسبة بلوغه عامه الثمانين، متمنيًا له دوام الصحة والعافية، واستمرار عطائه الفكري والدعوي في خدمة مصر والعالم.
ميلاد المسيح رسالة سلام لكل إنسان
وأكد البابا تواضروس أن ميلاد السيد المسيح عليه السلام يحمل رسالة محبة وسلام لكل البشر، موضحًا أن الله خلق الإنسان ليخدم أخاه الإنسان، وأن اختلاف الرسالات لا يلغي وحدة الهدف، والمتمثل في صناعة السلام ونشره.
وأضاف قداسته: «لكل إنسان رسالة خاصة بحسب مسؤوليته، لكننا جميعًا نشترك في رسالة عامة، هي نشر السلام وصناعته في كل مكان».
صلوات من أجل الشعوب الجريحة
وتوقف البابا عند معاناة الشعوب في مناطق النزاع، مشيرًا إلى ما يحدث في السودان وغزة واليمن وغيرها من بقاع العالم، مؤكدًا أن الله لا يرضى عن هذه الانتهاكات الإنسانية، وأن الأمل معقود على قدرة الله في تغيير هذا الواقع الأليم.
بيت العائلة المصرية.. نموذج ناجح لمواجهة الفتن
وشهد اللقاء مناقشة موسعة لجهود “بيت العائلة المصرية”، والتوسعات التي شهدها خلال الفترة الماضية في مختلف المحافظات، حيث أكد شيخ الأزهر والبابا تواضروس أهمية توفير الدعم الكامل لهذا المشروع الوطني، الذي أثبت نجاحه في محاصرة الفتن ومواجهة التطرف، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم