صناعة المفتي في عصر الذكاء الاصطناعي: بين التأصيل الشرعي واتقان المهارات الرقمية

 

كتب:مصطفى على

في ظل تسارع التطور التكنولوجي، وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز ملامح الثورة الصناعية الرابعة، باتت صناعة الإفتاء في العالم الإسلامي أمام تحديات غير مسبوقة فلم يعد المفتي المعاصر مطالبًا فقط بالتمكن من العلوم الشرعية والفقهية، بل أصبح من الضروري أن يمتلك المهارات الرقمية وفهم أدوات العصر، حتى يتمكن من التعامل مع الواقع الجديد بما يتوافق مع المقاصد الشرعية ويحافظ على ثوابت الأمة.

هذه كانت الرسالة الجوهرية التي حملها فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، في كلمته التي ألقاها نيابة عن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي العاشر للإفتاء، الذي تنظمه دار الإفتاء المصرية.

تحيات الإمام الأكبر ودعوة لتعزيز الفكر الإسلامي

بدأ الدكتور الضويني كلمته بنقل تحيات الإمام الأكبر للحاضرين، مؤكدًا أن الأزهر يتابع عن كثب الجهود المبذولة في تنظيم المؤتمر، ويتطلع لأن تسفر جلساته عن بحوث رصينة تدمج بين أصالة الفقه الإسلامي ومتطلبات الواقع التقني.

وأشاد بجهود دار الإفتاء المصرية برئاسة الدكتور نظير محمد عياد، في اختيار عنوان المؤتمر: “صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي”.
واعتبر أن هذا الاختيار يعكس إدراكًا عميقًا لحقيقة المرحلة التي نعيشها، حيث تتلاقى القضايا الفقهية مع التحديات التكنولوجية، ويصبح من الضروري صياغة خطاب إفتائي جديد يواكب العصر دون أن يفرط في الأصول.

أوضح وكيل الأزهر أن الفتوى عملية علمية مركبة، تبدأ بفهم المسألة من واقع السائل، ثم تكييفها وفق القواعد الفقهية المعتبرة، وصولًا إلى الحكم الشرعي بعد دراسة المآلات، أي النظر في نتائج الفتوى وتأثيرها على الفرد والمجتمع.

وأشار إلى أن الفتوى ليست نقلًا جامدًا للنصوص، بل فن وعلم وصناعة تتطلب قدرة على الجمع بين النصوص الشرعية وفهم الواقع المعاصر، وربط المصلحة بالمفسدة، وإدراك خصوصيات الزمان والمكان.

تحذيرات العلماء من التجرؤ على الفتوى

استشهد الضويني بكلام الإمام عبد الرحمن بن أبي ليلى، الذي قال:
“أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ، ما منهم أحد يُحدّث بحديث إلا ودّ أن أخاه كفاه إياه، ولا يُستفتى عن شيء إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتوى”.
وأوضح أن هذا الموقف يعكس خشية الصحابة من تحمل مسؤولية الفتوى بغير علم كافٍ، وهو درس يجب أن يتذكره كل من يتصدر للإفتاء في زمن تداخلت فيه القضايا وتعقدت المسائل.

الذكاء الاصطناعي: أداة مساعدة لا بديل للمفتي المؤهل

قدرات الذكاء الاصطناعي في خدمة الفتوى

أكد وكيل الأزهر أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المفتي، لكنه قد يكون أداة قوية تساعده في أداء مهمته، وذلك عبر:

1. الوصول السريع إلى المصادر والمراجع الفقهية.

2. تنظيم وتحليل كميات هائلة من البيانات، بما فيها فتاوى سابقة، وآراء العلماء، والنصوص الفقهية.

3. ربط المسائل المستجدة بنظائرها الفقهية في التاريخ الإسلامي.

4. تقديم مسودات أولية للإجابات يمكن للمفتي مراجعتها وتنقيحها.

لماذا لا يمكن الاستغناء عن المفتي البشري؟

رغم هذه القدرات، شدد الضويني على أن الفتوى تحتاج إلى عقل بشري يمتلك ملكة فقهية وقدرة على تقدير المصلحة، ومراعاة أحوال السائل، والسياق الاجتماعي والسياسي، وهو ما لا يمكن للآلة أن تبلغه.
فالذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات، لكنه لا يمتلك الوعي المقاصدي ولا إدراك الفروق الدقيقة التي تتطلب اجتهادًا إنسانيًا.

إعادة تأهيل المفتين وميثاق أخلاقي للتقنيات

الخريطة المقترحة للتأهيل

دعا وكيل الأزهر إلى إعداد خريطة شاملة لإعادة تأهيل المفتين، تتضمن:

التأصيل الشرعي العميق في الفقه وأصوله.

التدريب على المهارات الرقمية، بما يشمل فهم آليات البحث الإلكتروني وتحليل البيانات.

التعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وكيفية الاستفادة منها دون الوقوع في الاعتماد الكلي عليها.

كشف الضويني عن أن الأزهر الشريف يعمل، تحت إشراف الإمام الأكبر، على صياغة وثيقة شاملة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لتكون مرجعًا للمؤسسات الدينية في كيفية توظيف هذه التقنية بما يحافظ على الخصوصية ويحمي القيم، ويمنع تحولها إلى وسيلة لانتهاك الحريات أو نشر الفتاوى المضللة.

حذر وكيل الأزهر من أن الانخراط غير المنضبط في الفضاء الرقمي قد يؤدي إلى ذوبان الهوية الإسلامية وتشويه الشخصية الثقافية للأمة.
ودعا العلماء والمفتين إلى أن يكونوا فاعلين لا متلقين في هذا المجال، بحيث يقودون توظيف التقنية بدلًا من أن تتحكم في وعي المجتمعات جهات خارجية.
وأكد أن الفضاء الرقمي يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين: إما وسيلة لنشر الوعي الشرعي، أو أداة لتضليل الجماهير إذا تُرك بلا رقابة ولا توجيه.

لم تخلُ كلمة وكيل الأزهر من البعد الإنساني والسياسي، حيث استنكر بشدة ما وصفه بـ”الأعمال الوحشية” التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق المدنيين في غزة، معتبرًا إياها جرائم ضد الإنسانية.
كما أشاد بالدور المصري، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في دعم الشعب الفلسطيني سياسيًا وإنسانيًا، والعمل على وقف العدوان، مؤكدًا أن نصرة المظلوم واجب ديني وإنساني قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.

قراءة تحليلية: صناعة المفتي في زمن التقنية

من الفقه التقليدي إلى الفقه الرقمي

يرى خبراء الشريعة أن صناعة المفتي اليوم لم تعد محصورة في التكوين الأزهري أو الحوزوي التقليدي، بل أصبحت تستلزم ما يمكن تسميته بـ”الفقه الرقمي”، أي القدرة على فهم الواقع الافتراضي الذي بات جزءًا من حياة الناس، بما فيه من معاملات مالية إلكترونية، وقضايا الخصوصية، والأمن المعلوماتي، وأحكام المحتوى الرقمي.

التقنيات الحديثة قد تجعل الوصول إلى المعلومة الشرعية أسهل، لكنها تطرح أيضًا إشكاليات مثل:

من يضمن صحة الفتوى إذا تولتها البرمجيات؟

كيف نحمي المستفتين من الوقوع ضحية لأدوات تقنية تصدر فتاوى دون سياق؟

ما الضوابط الشرعية لاستخدام البيانات في الإفتاء؟

هذه الأسئلة وغيرها تؤكد أن المستقبل يتطلب مفتين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة، وبين الحكمة الشرعية والفطنة التقنية.

بين الأصالة والمعاصرة

ما طرحه وكيل الأزهر في المؤتمر العالمي العاشر للإفتاء يعكس رؤية استراتيجية لمستقبل صناعة الفتوى في العالم الإسلامي، حيث لا غنى عن التأصيل الشرعي، ولا مفر من إتقان أدوات العصر.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، سيظل بحاجة إلى قلب وعقل إنساني قادر على قراءة النصوص بروحها، وفهم الواقع بكل تعقيداته، لتبقى الفتوى حية وفاعلة في خدمة الناس وهدايتهم.

 

عن مصطفى علي

شاهد أيضاً

التنمية المحلية تستجيب لشكاوى المواطنين في 8 محافظات

كتبت – آيـة زكـي تلقت الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، تقريرًا من المركز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *