تقرير:مصطفى علي
مع بداية شهر رجب من كل عام هجري، تتجدد حالة من الجدل المجتمعي والديني حول ما يُعرف شعبيًا بـ«طلعة رجب»، تلك العادة المتوارثة التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بزيارة المقابر وتوزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين، في مشهد يتكرر في عدد كبير من المحافظات المصرية.
ورغم أن هذه الممارسة لا تحمل طابعًا احتفاليًا صاخبًا، فإنها تحظى بمكانة خاصة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، باعتبارها عادة قديمة ترمز للصلة بين الأحياء والأموات، وتعبيرًا عن البر والرحمة والتكافل الاجتماعي.
ما هي «طلعة رجب»؟ ولماذا ارتبطت بثاني جمعة من الشهر؟
تُعرف «طلعة رجب» بأنها عادة شعبية تقام غالبًا في ثاني جمعة من شهر رجب، حيث يتوجه الأهالي إلى المقابر لزيارة موتاهم، وقراءة الفاتحة، وتوزيع الصدقات من طعام أو مال على الفقراء والمحتاجين، إضافة إلى بعض المساكين والمشردين الذين يتواجدون في محيط المقابر.
ويفسر باحثون اجتماعيون هذا التوقيت بارتباط يوم الجمعة في الوجدان الشعبي بالبركة والقبول، فضلًا عن اعتبار شهر رجب من الأشهر الحُرم التي يعتقد الناس أن العمل الصالح فيها أعظم أجرًا.
بين العادة والعبادة: سؤال يتكرر كل عام
مع كل حلول لشهر رجب، يتجدد السؤال:
هل «طلعة رجب» عبادة شرعية ثابتة؟ أم مجرد عادة اجتماعية لا أصل لها في السنة النبوية؟
وهنا يظهر التخوف من الخلط بين ما هو تدين مشروع وما هو سلوك اجتماعي اعتاد عليه الناس دون سند شرعي واضح، وهو ما دفع الكثيرين إلى اللجوء لدار الإفتاء المصرية لحسم الجدل.
حكم توزيع الصدقات عند المقابر: ماذا تقول الشريعة؟
أكدت دار الإفتاء المصرية في أكثر من فتوى رسمية، أن الصدقة عن الميت جائزة ومستحبة شرعًا، سواء كانت مالًا أو طعامًا، وسواء قُدمت في شهر رجب أو في غيره من شهور السنة.
وأوضحت أن الثواب يصل إلى الميت بإجماع جمهور الفقهاء، ما دام العمل في ذاته مشروعًا، وأن الصدقة من أعظم أبواب البر والإحسان.
هل تخصيص شهر رجب بالصدقة بدعة؟
تشير الإفتاء إلى نقطة جوهرية في هذا الجدل، وهي أن التصدق في شهر رجب لا يُعد بدعة، ما دام المسلم لا يعتقد أن للصدقة في هذا الشهر حكمًا خاصًا أو فريضة ملزمة.
فالتعبد الممنوع هو ربط عمل معين بزمن معين على أنه عبادة واجبة أو سنة مؤكدة دون دليل شرعي، أما التصدق اختيارًا في وقت فاضل طلبًا للأجر، فهو أمر جائز ولا حرج فيه.
الصدقة في الأشهر الحُرم: فضل مضاعف لا إلزام
أوضحت دار الإفتاء أن شهر رجب من الأشهر الحُرم، وهي أزمنة عظيمة يندب فيها الإكثار من الأعمال الصالحة، دون تخصيص عبادة بعينها.
ومن ثم فإن التصدق في رجب قد يكون أعظم أجرًا من حيث الفضل الزمني، لكنه لا يتحول إلى عبادة مستقلة بذاتها ولا إلى سُنّة ثابتة.
زيارة المقابر في «طلعة رجب»: الجائز والممنوع
زيارة المقابر في ذاتها مشروعة، لما فيها من تذكير بالآخرة، والدعاء للأموات.
غير أن الإفتاء شددت على ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية، ومنها:
تجنب المظاهر المخالفة للشريعة مثل النواح أو الاعتقاد بقدسية يوم بعينه.
عدم تحويل الزيارة إلى طقس إلزامي أو اعتقاد أنه شرط لقبول الصدقة.
الالتزام بالآداب العامة واحترام حرمة المقابر.
الضوابط الصحية.. بعدٌ مغفول في العادة الشعبية
لم تغفل دار الإفتاء البعد الصحي والاجتماعي، حيث أكدت ضرورة الالتزام بالمعايير الصحية عند توزيع الطعام والشراب، خاصة في الأماكن المفتوحة مثل المقابر، لضمان سلامة الجميع ومنع انتقال الأمراض.
وشددت على أن المقصد من الصدقة هو الإحسان لا الإضرار، وأن مراعاة الصحة العامة من مقاصد الشريعة.
أثر «طلعة رجب» على المجتمع: تكافل أم طقس موروث؟
من منظور اجتماعي، يرى مختصون أن هذه العادة حين تُمارس دون غلو تعزز قيم التكافل، وتعيد تسليط الضوء على الفقراء والمحتاجين، وتخلق حالة من التعاطف الإنساني، خاصة مع الفئات المهمشة.
غير أن الخطر يكمن في تحويل العادة إلى معتقد ديني ملزم، وهو ما تحذر منه المؤسسات الدينية باستمرار.
شهر رجب.. شهر له تاريخ وأسماء متعددة
في سياق الحديث عن شهر رجب، أوضحت دار الإفتاء المصرية أن هذا الشهر يُعد أحد الأشهر الأربعة الحُرم، استنادًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا… مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36].
لماذا عظم العرب شهر رجب؟
كان العرب في الجاهلية يعظمون شهر رجب تعظيمًا خاصًا، فيكفون فيه عن القتال وسفك الدماء، ويتركون الثأر والانتقام، وهو تعظيم أقره الإسلام من حيث المبدأ، مع تصحيح المفاهيم العقدية المرتبطة به.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم