على ظهر موتوسيكل.. خطيب جمعة يلحق بالمنبر ويحوّل الموقف إلى درس عملي في اليقين

كتب- محمود عرفات

في صباح الجمعة، وقبل أن يعلو النداء الإيماني من المآذن بدقائق، شاء الله أن يكتب للدكتور أحمد علي سليمان – عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – موقفًا استثنائيًا، سيظل شاهدًا على عظمة اليقين بالله، وعلى شهامة المصريين التي تسري في دمائهم وأفعالهم.

كانت السيارة قد تعطلت فجأة على بُعد كيلومترين من المنزل، بينما كان المسجد المخصص له لإلقاء خطبة الجمعة – مسجد الدكتور حسن الأنور بالتجمع الخامس – يبعد أكثر من 14 كيلومترًا.

رفع المؤذن الأذان، وأحس الدكتور أحمد أن المهمة التي حافظ عليها طوال 36 عامًا من الانتظام على المنبر دون تأخير قد تكون في خطر لأول مرة تاريخه.

وقف في الطريق متوترًا جدا، يُلوّح للسيارات طلبًا للنجدة، لكن لا أحد يتوقف. الدقائق تمضي، ووقت صعود المنبر يقترب، والهمّ يثقل صدره.

وبينما يوشك على الانكسار، توقّف شاب من بني سويف يُدعى عبد الرحمن يقود موتوسيكلا بسيطًا، فطلب من الدكتور أحمد علي سليمان أن ينقذه قائلًا: “أنا خطيب الجمعة والمسجد ينتظرني”.

فما كان من الشاب إلا أن رحّب على الفور، وقال بلسان الحال: “اركب يا دكتور…”.

رحلة محفوفة بالمخاطر

لم يعتد الدكتور أحمد ركوب الموتوسيكلات من قبل.

ومع سرعة الرياح واندفاع الطريق، كان يشعر في كل لحظة أن جسده يكاد يطير، وأن الأوراق والكتب التي معه تتطاير، النظارة والطاقية تكاد يطير مع الريح وهو يحاول الإمساك بها، والهاتف يكاد يسقط مع كل اهتزاز.

لحظات عصيبة تُلهب الأعصاب، لكنها في الوقت نفسه تُوقد جذوة الإيمان، فتتردد في قلبه الكلمات: “يقيني بالله أنني سأصل… سيوصلني الله، وسيبارك في الوقت”.

ترتيب إلهي ولطف رباني

وصل الدكتور أحمد إلى نهاية سور كومباوند المخابرات بالتجمع الخامس، حيث كان المهندس طارق عبد العزيز – عضو مجلس إدارة المسجد – على وشك الوصول هو الآخر بسيارته في نقطة التلاقي.

لم تمضِ سوى دقائق حتى كان في طريقه إلى المسجد.

وهنا تجلى كرم الله ولطفه، إذ طُوي له الزمن والمكان؛ فالمسافة التي تستغرق عادة 16 – 18 دقيقة، قُطعت في أقل من ذلك بكثير، وكأن الله قد أبطأ عقارب الساعة وطوى الطريق، وبارك في اللحظة، حتى صعد المنبر في وقته، ليبدأ خطبة الجمعة.

خطبة عن اليقين.. تنبض بالواقع

لم يكن ما جرى مجرد موقف عابر يطويه الزمن، بل كان نفحة ربانية امتزجت بخطبة الجمعة، فصبغتها بروح جديدة، وجعلت عنوانها “اليقين” حقيقة محسوسة لا مجرد كلمات تُقال.

لقد عاش فضيلة الدكتور أحمد علي سليمان تجربة استثنائية، انتقل فيها من مقام القول إلى مقام الحال، ومن ميدان التنظير إلى ميدان التجربة؛ فحوَّل المحنة إلى منحة، وصاغها لبنة حيّة في خطبته، فلامس القلوب قبل الأسماع، وأحيا المعنى في النفوس قبل أن يجري على الألسنة. وهكذا تحوّل الموقف إلى درس خالد، يزاوج بين حرارة الكلمة وصدق التجربة، وبين النظرية والتطبيق.

ومن ذلك المشهد الواقعي، أخذ الخطيب بيد المصلين إلى مشاهد أنبياء الله العظام، حيث تجلّى اليقين في أبهى صوره:

• يقين الخليل إبراهيم عليه السلام وهو يُلقى في النار، ويقينه وهو يترك هاجر ووليدها إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع، ويقينه وهو يهمّ بذبح ابنه امتثالًا لأمر الله.

• ويقين الحبيب المصطفى ﷺ وهو في الغار مع صاحبه، ويقينه في طريق الهجرة، ويقينه يوم بدر والأحزاب، حين أشرقت معية الله ونصره لعباده المؤمنين.

وهكذا التقت معاني الوحي بواقع الحياة، ليقول الدرس بلسان الحال والمقال معًا: ما دام اليقين حيًّا في القلوب، فلن تُغلق أبواب الفرج.

لقد كان الموقف الذي عاشه الخطيب قبل دقائق بمثابة تجسيد عملي لمعاني اليقين التي تحدث عنها، ليشعر المصلون أن الكلمات تخرج من قلب قد ذاق شيئًا مما يقول.

دروس وعبر من الموقف

1. اليقين بالله هو المفتاح الذي يبدد الخوف ويفتح أبواب الفرج.

2. أن الله يبارك في الوقت والجهد متى صدقت النوايا.

3. أن شهامة المصريين لا تزال حيّة في قلوب الشباب، فعبد الرحمن لم يكن يملك إلا موتوسيكل، لكنه كان يملك قلبًا كبيرًا، أغاث به ملهوفًا، فنال بذلك أجرًا عظيمًا من الله.

4. أن على الخطباء والعلماء أن يكونوا قدوة في الإصرار على أداء رسالتهم، مهما اعترضتهم العقبات.

٥. ومن الدروس العظيمة أيضًا بركة الوقت؛ فقد شاء الله أن تتسلسل الأحداث بسرعة عجيبة، فبمجرد حدوث المشكلة، والاتصال بفضيلة الشيخ عبد الله حسان – جزاه الله خيرًا – قام من فوره بالاتصال بالأستاذ الدكتور مصطفى شلبي، الذي تحرك فورًا وأجرى في أقل من دقيقتين سبع مكالمات متلاحقة، كانت سببًا في إنقاذ الموقف وتيسير الأمور على نحو مدهش، وكأن الزمن قد انطوى ببركة اليقين وحسن التوكل على الله.

خطيب الجمعة بعد وصوله المسجد

اترك رد