
حوار: سمر صفي الدين
في لحظة سياسية فارقة تشهدها الساحة الدولية، أخذت بوصلة مواقف العواصم الأوروبية والغربية في التحول بصورة متسارعة تجاه القضية الفلسطينية، مع إعلان دول كبرى مثل فرنسا والبرتغال وبريطانيا وأستراليا وكندا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وسان مارينو نيتها الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين. وذلك خلال مؤتمر سيعقد في نيويورك يوم الإثنين المقبل، الموافق 22 سبتمبر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبالتزامن مع انضمام البرازيل إلى الدعوى القضائية المرفوعة من قبل جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية.
هذه الخطوات تأتي على وقع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وما خلفه من آلاف الضحايا المدنيين وعمليات تهجير قسري، في مشهد وثقته منظمات حقوقية دولية واعتبرته تجاوزًا غير مسبوق للقانون الدولي الإنساني.
ولا يقتصر هذا الحراك على الجانب الرمزي، بل يحمل أبعادًا سياسية وقانونية واقتصادية واضحة، إذ يترافق مع تحذيرات أوروبية من خطط إسرائيل لضم مساحات واسعة من الضفة الغربية. إلى جانب مقترحات داخل الاتحاد الأوروبي لتعليق الامتيازات التجارية وفرض عقوبات على مسؤولين إسرائيليين، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط الدولية المباشرة على تل أبيب.
هذا التحول المتسارع يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على إعادة إحياء مسار حل الدولتين، في مواجهة حكومة إسرائيلية تعلن صراحة رفضها لقيام دولة فلسطينية وتواصل توسعها الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة.
وفي ضوء هذه التطورات، أجرى موقع “اليوم” حوارًا مع السفير يوسف زادة، قنصل مصر السابق في نيويورك، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية؛ للوقوف على دلالات الاعترافات الدولية المتزايدة بفلسطين، وآفاقها السياسية والقانونية، وإمكانية أن تشكل بداية مسار حقيقي لإحياء عملية السلام.
بدايةً.. إلى أي مدى ترون أن الاعتراف الأوروبي المتصاعد بدولة فلسطين يمثل خطوة عملية يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية على الأرض؟
الاعترافات المتزايدة تحمل بلا شك أبعادًا قانونية واضحة، رغم طبيعتها السياسية.
فهي تفرض التزامات على الدول المعترفة بموجب القانون الدولي، من احترام استقلال الدولة الفلسطينية وسلامة أراضيها. وصولًا إلى الاعتراف بحقها في الدفاع عن النفس.
لكن، من الناحية العملية، يبقى التحدي كبيرًا بسبب استمرار سيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من الأرض، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة صلاحيات الدولة بشكل فعلي.
هل تعتقدون أن هذه الاعترافات مجرد مواقف رمزية تضامنية، أم أنها قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسية حقيقية على إسرائيل؟
هي رمزية إلى حد كبير، لكن الرمزية ليست بلا قيمة. هذه الخطوات تعكس التزامًا أخلاقيًا ودبلوماسيًا بتقرير المصير الفلسطيني في لحظة بالغة الخطورة.
ومع ذلك، يمكن لهذه الاعترافات أن تتحول إلى أدوات ضغط حقيقية إذا اقترنت بسياسات ملموسة. خصوصًا من جانب الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل.
الضغط الاقتصادي عبر تقييد الامتيازات التجارية أو فرض عقوبات سيكون أكثر تأثيرًا من مجرد الاعتراف السياسي.
برأيكم، كيف سينعكس انضمام البرازيل إلى الدعوى أمام محكمة العدل الدولية على مسار القضية، وهل يشكل إضافة نوعية للتحركات القانونية الدولية؟
بالتأكيد يشكل إضافة نوعية. البرازيل قوة إقليمية كبرى وعضو في مجموعة “بريكس”، وانضمامها يضيف ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا ملحوظًا.
كما أن انضمامها يرفع عدد الدول المؤيدة للمسار القضائي إلى 13 دولة. ما يخلق كتلة حرجة في مواجهة الرواية الإسرائيلية ويعزز مطلب المساءلة الدولية عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
ما مدى قدرة هذه الموجة من الاعترافات والضغوط الدولية على إعادة إحياء حل الدولتين الذي تسعى إسرائيل لتقويضه عبر الاستيطان والضم؟
الأمر في غاية الصعوبة. إسرائيل ماضية في خططها الاستيطانية، ونتنياهو نفسه أعلن مرارًا رفضه لقيام دولة فلسطينية.
بل إن مشروعات مثل “E1” تمثل تهديدًا مباشرًا بتقسيم الضفة الغربية وجعل الدولة الفلسطينية المتواصلة جغرافيًا شبه مستحيلة. ومع ذلك، الاعترافات الدولية تضيف ضغطًا تراكميًا، وقد تبقي فكرة حل الدولتين حاضرة على الطاولة رغم محاولات دفنها.
أخيرًا، هل ترون أن هذه الاعترافات قد تشكل بداية مسار سياسي جديد لإحياء عملية السلام، أم أنها ستبقى محاولات محدودة الأثر في ظل التعنت الإسرائيلي؟
يمكن القول إن الاعترافات وحدها غير كافية. نجاحها يعتمد على مدى استعداد الدول المعترفة لترجمتها إلى آليات ضغط حقيقية، سواء عبر عقوبات أو خطوات اقتصادية ملموسة.
إذا توقفت الخطوات عند الاعتراف الرمزي فقط، فسيكون الأثر محدودًا للغاية. لكن إذا ترافقت مع إجراءات عملية. فقد تفتح الباب أمام مسار سياسي جديد يعيد الاعتبار لحل الدولتين ويعيد التوازن إلى العملية السلمية.




