تقارير-و-تحقيقات

في ذكرى رحيله.. النقشبندي صوت رمضان الذى لا يغيب

 

 

تقرير :مصطفى علي

في كل عام، ومع اقتراب غروب شمس أول أيام شهر رمضان، يعود صوت بعينه ليتقدم المشهد قبل أذان المغرب بلحظات. صوت لا يحتاج إلى تعريف، يكفي أن تنطلق كلماته الأولى حتى يخيم الصمت وتخشع القلوب إنه صوت الشيخ سيد محمد النقشبندي، الذي تحل ذكرى وفاته في 14 فبراير، بينما يظل حضوره حيًا في وجدان أجيال متعاقبة لم تعاصره، لكنها عاشت معه لحظات الصفاء الروحي عبر الأثير.

لم يكن النقشبندي مجرد منشد ديني يؤدي ابتهالات محفوظة، بل كان حالة استثنائية صنعت مزيجًا فريدًا بين التصوف العميق والثقافة الواسعة والصوت الذي وصفه خبراء الموسيقى بأنه من أندر الخامات في القرن العشرين. فكيف تشكلت هذه الشخصية؟ وكيف تحولت صدفة عائلية إلى تعاون فني تاريخي؟ ولماذا بقي ابتهال “مولاي” متربعًا على عرش الابتهال رغم مرور نصف قرن على رحيله

جذور صوفية.. من الدقهلية إلى طهطا

وُلد سيد محمد النقشبندي عام 1920 في إحدى قرى محافظة الدقهلية، قبل أن تنتقل أسرته إلى مدينة طهطا بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، وهو في سنواته الأولى هناك، في أجواء الجنوب المصري المشبعة بالروحانية ومجالس الذكر، بدأت ملامح صوته تتشكل، وبدأت شخصيته تتبلور في كنف أسرة عُرفت بالعلم والتصوف.

كان والده، الشيخ محمد النقشبندي، أحد شيوخ الطريقة النقشبندية، وصاحب مكانة مرموقة بين المريدين وطلاب العلم. في هذا المناخ، حفظ الطفل القرآن الكريم في سن مبكرة، وتشرّب أصول التلاوة وفنون الإنشاد الديني والتواشيح، حتى صار صوته عنصرًا أساسيًا في حلقات الذكر.

لكن ما ميّز نشأته لم يكن الطابع الديني فحسب، بل انفتاحه الثقافي الواسع فقد كان شغوفًا بالقراءة، يطالع مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ويحفظ قصائد للإمام البوصيري، وابن الفارض، وأحمد شوقي هذا التكوين المزدوج بين التصوف العميق والثقافة الأدبية منح أداءه بعدًا مختلفًا؛ فلم يكن يردد الكلمات كألفاظ، بل كان يعيش معانيها، ويجعل المستمع شريكًا في التجربة الروحية

مدرسة كاملة في الابتهال

لم يكن النقشبندي منشدًا تقليديًا يؤدي نصوصًا محفوظة وفق قالب واحد، بل كان مدرسة مستقلة في فن الابتهال امتلك مساحة صوتية واسعة قُدرت بثماني طبقات، ما أتاح له الانتقال بين المقامات بسلاسة نادرة كان يبدأ بصوت خافت يحمل انكسار المتوسل، ثم يتصاعد تدريجيًا حتى يبلغ ذروة خشوع تكاد تُبكي المستمع.

وصفه كثيرون بـ”الصوت الخاشع” و”الكروان الرباني”، فيما رأى متخصصون في علم الأصوات أن خامته كانت استثنائية من حيث القوة والمرونة والتحكم في النفس حتى المفكر والطبيب مصطفى محمود أشاد به في برنامجه الشهير العلم والإيمان، معتبرًا أن صوته ظاهرة لم تتكرر، وأنه يجمع بين القوة والدفء في آنٍ واحد.

مع مرور الوقت، صار صوته أحد أبرز ملامح شهر رمضان في مصر. لم يكن الإفطار يكتمل في بيوت كثيرة دون أن تسبقه ابتهالاته، التي تبدأ بنداء “يا رب”، فيرددها الملايين في لحظة جماعية من الخشوع، كأن الوطن كله يقف على أعتاب الدعاء.

في سبعينيات القرن الماضي، كان الشيخ النقشبندي حاضرًا في مناسبات رسمية عدة للرئيس محمد أنور السادات، الذي أبدى إعجابًا خاصًا بصوته، ورأى فيه قيمة روحية تتجاوز حدود الإنشاد التقليدي.

خلال مناسبة عائلية، جمعت الأقدار بين النقشبندي والموسيقار بليغ حمدي، بحضور الإعلامي وجدي الحكيم هناك، طُرحت فكرة تعاون بين الصوت الصوفي الخالص واللحن الموسيقي الحديث لم يكن الشيخ متحمسًا في البداية؛ فقد خشي أن يُساء فهم التجربة، أو أن يُقال إنه خرج من دائرة الابتهال إلى دائرة الغناء.

غير أن إصرار الرئيس، واقتناع النقشبندي بأن الهدف هو خدمة النص الروحي لا تغييره، فتح الباب أمام تجربة غير مسبوقة. كانت النتيجة ستة ابتهالات أصبحت علامات فارقة في تاريخ الإنشاد الديني، وعلى رأسها العمل الأشهر “مولاي إني ببابك”.

بمجرد أن يُذكر اسم النقشبندي، تتردد في الأذهان نغمات “مولاي إني ببابك” ذلك الابتهال الذي خرج إلى النور وسط تردد وتحفظ، تحوّل إلى أيقونة روحية خالدة.

اللحن الذي وضعه بليغ حمدي منح النص بعدًا دراميًا عميقًا دون أن ينتقص من قدسيته، بينما ارتفع صوت النقشبندي في مدارج المقام، معبرًا عن التوسل والخضوع والانكسار بين يدي الخالق كانت كل جملة موسيقية تتكئ على إحساس صادق، وكل انتقال صوتي يحمل معنى قبل أن يكون استعراضًا لقدرة.

تحوّل التعاون بين الشيخ والملحن إلى صداقة فنية وإنسانية، وصار نموذجًا لإمكانية التقاء الفن الأصيل بالروحانية الصافية دون أن يطغى أحدهما على الآخر. وبقي “مولاي” شاهدًا على أن التجديد لا يعني التفريط، وأن الأصالة يمكن أن تتجدد دون أن تفقد جوهرها.

من الإذاعة المصرية إلى العواصم العربية

بدأ النقشبندي تسجيل ابتهالاته في الإذاعة المصرية، التي كانت تبثها قبيل أذان المغرب ضمن فقرة “الدعاء” خلال شهر رمضان ومع تكرار البث، صار صوته مألوفًا في كل بيت، حتى أصبح جزءًا من الذاكرة السمعية لجيل كامل.

لم يقتصر حضوره على مصر؛ فقد شارك في حفلات دينية كبرى داخل البلاد وخارجها، واعتلى منصات جمعته بكبار قراء القرآن، من بينهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد كما جاب عواصم عربية عدة لإحياء ليالي رمضان، فصار صوته عابرًا للحدود، يصل إلى مستمعين لا يتحدثون العربية أحيانًا، لكنهم يتأثرون بروحانية أدائه.

رحيل مبكر.. وأثر لا يزول

في فبراير 1976، رحل الشيخ سيد محمد النقشبندي عن عمر ناهز 55 عامًا، دون معاناة مرضية طويلة جاء الرحيل مفاجئًا، كما لو أن الصوت الذي ملأ الأفق بالدعاء اختار أن يغادر في صمت.

ترك وصية بسيطة تعكس زهده؛ أوصى بأن يُدفن بجوار والدته في مقابر الطريقة الخلوتية بالبساتين، وألا يُقام له مأتم كبير، مكتفيًا بالعزاء في الصحف، مع التأكيد على رعاية أسرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى