تقرير:مصطفى علي
تمر ذكرى الرابع عشر من فبراير حاملة معها استعادة سيرة واحد من أعلام الأزهر في العصر الحديث، العالم اللغوي والداعية الدكتور محمد مختار المهدي، الذي رحل عن دنيانا في مثل هذا اليوم عام 2016، بعد مسيرة حافلة بالعلم والعمل والدعوة والتأليف، تاركًا خلفه إرثًا علميًا ودعويًا لا يزال حاضرًا في مؤسسات الأزهر والجمعيات الشرعية والمكتبة العربية.
لم يكن المهدي مجرد أستاذ جامعي أو داعية تقليدي، بل مثّل نموذجًا لعالمٍ جمع بين التكوين اللغوي العميق، والخبرة الصحفية، والعمل المؤسسي، والمشاركة الفاعلة في القضايا الفكرية والشرعية المعاصرة، وهو ما جعله أحد أبرز وجوه العمل الإسلامي الوسطي في العقود الأخيرة.
مولد في قرية مصرية.. وبدايات مع القرآن
وُلد الدكتور محمد مختار المهدي في قرية تصفا التابعة لمركز كفر شكر بمحافظة القليوبية، في 23 صفر 1358هـ، الموافق 13 أبريل 1939م، في بيئة ريفية مصرية محافظة، كانت فيها الكتاتيب وحلقات التحفيظ بوابة العبور الأولى إلى عالم العلم.
حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وهو ما شكّل وجدانه اللغوي والديني معًا، قبل أن يلتحق بمعهد الزقازيق الديني، حيث حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية عام 1955، ثم الشهادة الثانوية الأزهرية عام 1960، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من التكوين العلمي في رحاب جامعة الأزهر بالقاهرة.
من كلية اللغة العربية إلى التميز الأكاديمي
اختار الشاب الأزهري كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، ليضع قدمه في مجال التخصص الذي سيلازمه طيلة حياته وفي عام 1965 نال شهادة العالية (الليسانس) بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، وهو ما فتح أمامه الطريق نحو استكمال الدراسات العليا.
لكن مسيرته العلمية لم تتوقف عند حدود الدراسة الأكاديمية، بل امتزجت مبكرًا بالعمل المهني؛ فقد بدأ حياته العملية عام 1963، قبل تخرجه، حين عمل مصححًا لغويًا بصحيفة الأخبار، وهي تجربة صقلت أدواته اللغوية ومنحته خبرة عملية في التعامل مع النصوص الصحفية.
بين القاهرة وطرابلس.
بعد ثلاث سنوات في صحيفة الأخبار، شدّ الرحال إلى ليبيا، حيث تولى منصب الأمين العام للمكتب الفني للنشر والصحافة بالجامعة الإسلامية هناك، ثم أشرف على تحرير مجلة “الهدي الإسلامي”، في تجربة جمعت بين العمل الإداري والفكري.
عاد إلى مصر عام 1970 ليعمل مراجعًا لغويًا بصحيفة الأهرام، إحدى أعرق المؤسسات الصحفية العربية، ثم عُيّن مستشارًا صحفيًا لوزير شؤون الأزهر عام 1974، ليكون حاضرًا في قلب دوائر القرار الديني والإعلامي في آنٍ واحد.
الماجستير والدكتوراه.. تأصيل لغوي رصين
إلى جانب عمله الصحفي والإداري، واصل الدكتور المهدي مسيرته الأكاديمية بلا انقطاع. ففي عام 1971 حصل على درجة التخصص (الماجستير) في اللغويات بتقدير جيد جدًا، عن رسالته المعنونة بـ«أساليب التوكيد في النحو العربي»، وهي دراسة عكست اهتمامه العميق ببنية الجملة العربية وأدواتها البلاغية.
وفي عام 1976 نال درجة العالمية (الدكتوراه) مع مرتبة الشرف الأولى، مع توصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وتبادلها مع الجامعات الأخرى، وكانت بعنوان «أسماء المعاني: صيغها وعملها وأنواعها واستعمالاتها في القرآن الكريم»، لتؤكد ارتباطه الوثيق بين الدرس اللغوي والنص القرآني.
عُيّن مدرسًا بكلية اللغة العربية بأسيوط، ثم انتقل إلى كلية الدراسات الإسلامية والعربية، كما عمل أستاذًا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، في تجربة أكاديمية عابرة للحدود.
لم يقتصر نشاط الدكتور المهدي على قاعات الدرس، بل كان فاعلًا في عدد كبير من المؤسسات العلمية والدعوية فقد كان عضوًا بنقابة الصحفيين منذ عام 1972، وعضوًا بلجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري عام 1978، وعضوًا بلجنة اختيار قراء التلفزيون المصري عام 1984.
كما شغل مواقع قيادية في الجمعية الشرعية، فكان عضو هيئة كبار علمائها، وأمينًا عامًا لمجلس إدارتها، ورئيسًا للجنة الإشراف على معاهد إعداد الدعاة عام 1985، قبل أن يتولى رئاستها العامة لاحقًا، ويصبح رئيسًا لهيئة كبار علمائها عام 2002.
وفي عام 2007 انضم إلى مجمع البحوث الإسلامية، ثم اختير عضوًا مؤسسًا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عام 2004، وعضوًا في مجلس إدارة الجمعية الإسلامية العالمية للصحة النفسية.
هيئة كبار العلماء.. اختيار يعكس المكانة
مع عودة هيئة كبار العلماء بالأزهر، اختاره الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ليكون من بين أعضائها المؤسسين، وذلك بقرار جمهوري صدر في يوليو 2012، في خطوة عكست مكانته العلمية وثقة المؤسسة الأزهرية فيه.
وكان له دور بارز في صياغة البيانات والردود الصادرة عن الهيئة، خاصة في القضايا الفكرية والشرعية التي شهدتها الساحة المصرية خلال تلك المرحلة الدقيقة.
جائزة الملك فيصل
في عام 2009، نال الدكتور محمد مختار المهدي جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، وهي من أبرز الجوائز في العالم الإسلامي، لتكون تتويجًا لمسيرة طويلة من التدريس والدعوة والتأليف والعمل المؤسسي.
إنتاج علمي غزير.. بين النحو والدعوة
ترك الراحل عشرات المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية والإسلامية، خاصة في مجال اللغة العربية والقرآن الكريم، من بينها:
«النحو الميسر» في أربعة أجزاء
«الصرف الميسر» في ثلاثة أجزاء
«أثر الدرس اللغوي في فهم النص الشرعي»
«الأحرف والقراءات القرآنية في ضوء الدرس اللغوي»
«الوقف اللازم والممنوع بين النحاة والقراء»
«تقعيد النحو بين الشعر العربي والنص القرآني»
كما ألّف في المجال الدعوي والفكري، مثل:
«فقه العبادات»
«حقوق الإنسان في شريعة الإسلام»
«الأسرة في ميزان الإسلام»
«الرؤية الإسلامية في مواجهة مرض الإيدز»
«تيسير معاني القرآن في أجزائه الثلاثين»
«دروس وعبر من سيرة خير البشر»
وقد اتسمت كتاباته بالجمع بين التأصيل العلمي واللغة السلسة، بما يخدم الداعية والباحث والقارئ العام في آنٍ واحد.
مشاركات دولية.. صوت أزهري في المحافل العالمية
شارك الدكتور المهدي في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية؛ فألقى محاضرات في نيويورك عام 2004، وشارك في فعاليات علمية في التشيك عام 2006، كما حضر مؤتمر رابطة خريجي الأزهر في كوالالمبور عام 2008، ومؤتمرًا حول الإمام أبي حنيفة في دوشنبه بطاجكستان عام 2009.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم