في رحاب الشمائل المحمدية.. أوقاف أسيوط تستحضر جمال الأخلاق النبوية في ندوات بمساجد المحافظة

أسيوط/ حسنى الأكرادى

في رحاب ذكرى المولد النبوي الشريف، ووسط أجواء إيمانية تستعيد فيها القلوب سيرة خير الخلق صلى الله عليه وسلم، واصلت مديرية أوقاف أسيوط، اليوم الأربعاء 19 أغسطس 2026م، الموافق 6 ربيع الأول 1448هـ، فعالياتها الدعوية والندوات التوعوية التي تُقام في عدد من مساجد المحافظة، احتفاءً بمولد سيد البشرية، واستلهامًا من كتاب «الشمائل المحمدية» للإمام الترمذي لما تحمله صفحاته من كنوز أخلاقية وتربوية جديرة بأن تتحول من المعرفة إلى سلوك ومن الذكرى إلى منهج حياة.

وتناولت الندوات موضوعين جديدين من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، ، حيث دارت حول صفة تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وما اتسمت به شخصيته الشريفة من بساطة في التعامل، وقرب من الناس، وابتعاد عن مظاهر الكبر والتعالي، إلى جانب صفة حيائه صلى الله عليه وسلم، ذلك الخلق الرفيع الذي كان يزين سلوكه ويضبط كلماته ونظراته وتعاملاته، ليقدّم للأمة نموذجًا متكاملًا للإنسان الذي تجتمع فيه عظمة المقام مع كمال الأدب.

وتأتي هذه الفعاليات برعاية كريمة من معالي الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف، وتوجيهات فضيلة الدكتور عيد علي خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، وفي إطار الدور الدعوي الذي تضطلع به وزارة الأوقاف في إحياء المناسبات الدينية الكبرى، وربطها بقضايا الإنسان والمجتمع، من خلال تقديم السيرة النبوية بوصفها مدرسة متكاملة للأخلاق والقيم وبناء الشخصية.

وتوقفت الندوات أمام تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، باعتباره واحدًا من أبهى ملامح شخصيته؛ فقد بلغ صلى الله عليه وسلم أعلى مقامات الفضل والكرامة، ومع ذلك لم يعرف قلبه كبرًا على أحد، ولم تمنعه مكانته من أن يكون قريبًا من الناس، يجالسهم، ويستمع إليهم، ويشاركهم شؤون حياتهم، ويعاملهم بما يليق بكرامة الإنسان.

<img src="https://el-yomnews.com/wp-content/uploads/2026/08/FB_IMG_1787173475965-226×300.jpg" alt="" width="226" height="300" class="alignnone size-medium wp-image-1514783" /
وأوضحت الندوات أن التواضع في الهدي النبوي ليس انكسارًا ولا ضعفًا، وإنما هو قوة داخلية تجعل الإنسان عظيمًا في أخلاقه دون أن يرى نفسه فوق الآخرين، وتمنحه القدرة على التعامل مع الناس بعيدًا عن الاستعلاء والتعالي. ولذلك كان التواضع النبوي درسًا عمليًا في أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك من منصب أو مال أو مكانة، وإنما بما يحمله من أخلاق.

ومن هنا انتقلت الرسالة إلى واقع الناس اليوم؛ فكم من علاقة إنسانية أفسدها الكبر، وكم من بيت أثقلته لغة الاستعلاء، وكم من مجتمع يحتاج إلى أن يستعيد فضيلة التواضع حتى تصبح الكلمة الطيبة أقرب من الحكم على الآخرين، والاستماع إليهم أسبق من إصدار الأحكام عليهم.

ثم تناولت الندوات حياء النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الخلق الذي يجمع بين رقة القلب ونبل السلوك وحفظ حدود الأدب. فالحياء في المنهج النبوي ليس خوفًا من الناس، ولا عجزًا عن التعبير عن الحق، وإنما هو خلق يمنع صاحبه من القبيح، ويحمله على اختيار الكلمة والموقف والتصرف الذي يحفظ للآخرين كرامتهم ومشاعرهم.

وأكدت الندوات أن الحياء قيمة إنسانية لا غنى عنها في زمن أصبحت فيه بعض صور الخطاب العام والفضاء الرقمي تتجاوز حدود الأدب والخصوصية، وأن استعادة الحياء النبوي تعني أن يتعلم الإنسان متى يتحدث، وكيف يتحدث، وما الذي ينبغي أن يقال، وما الذي ينبغي أن يصان عن التداول.

فالحياء الحقيقي لا يمنع الإنسان من قول الحق، ولكنه يمنعه من الفحش؛ ولا يحول دون الشجاعة، ولكنه يضبطها بالأدب؛ ولا يضعف الشخصية، وإنما يهذبها ويمنحها قدرًا من الرقي يجعل صاحبها أكثر احترامًا لنفسه وللآخرين.

وفي ضوء هذين الخلقين، أكدت الندوات أن قراءة الشمائل المحمدية لا ينبغي أن تكون قراءة تاريخية منفصلة عن واقعنا، وإنما قراءة تستهدف اكتشاف القيم التي يحتاج إليها الإنسان في حياته اليومية؛ فالتواضع يصلح ما أفسده الغرور، والحياء يصون ما قد تفسده الجرأة المنفلتة، وكلاهما يساهم في بناء شخصية متزنة تعرف قدرها وتحترم قدر الآخرين.

وهنا تتجلى عظمة الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف؛ فالمناسبة ليست مجرد استعادة لذكرى عظيمة، وإنما فرصة لأن يسأل كل إنسان نفسه: ماذا بقي من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في سلوكي؟ هل أتواضع حين أملك القدرة على التعالي؟ وهل أتحلى بالحياء حين أستطيع أن أقول أو أفعل ما يجرح الآخرين؟

إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكتمل بكثرة الحديث عنه، وإنما تكتمل حين يصبح خُلقه حاضرًا في تعاملاتنا؛ في بيوتنا، وأعمالنا، وطرائق حديثنا، وعلاقاتنا بالآخرين.

وفي ختام الندوات، تلاقت الرسالة في معنى واحد: أن الشمائل المحمدية ليست صفحات من الماضي، بل مرآة ينبغي أن يرى الإنسان فيها نفسه؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع كمال المقام إلى كمال التواضع، وجمال الشخصية إلى كمال الحياء، فإن الاقتداء به يبدأ من محاولة استحضار هذه المعاني في واقع الحياة.

وهكذا تواصل مديرية أوقاف أسيوط فعالياتها بمناسبة المولد النبوي الشريف، لتقدم للناس من مدرسة المصطفى صلى الله عليه وسلم دروسًا تتجاوز حدود المناسبة إلى بناء الإنسان، وترسيخ الأخلاق، وإحياء القيم التي تحتاج إليها البيوت والمجتمعات، حتى تظل ذكرى مولده الشريف بابًا إلى محبة صادقة، واقتداء واعٍ، وأخلاق تُرى في السلوك قبل أن تُقال في الكلمات.

اترك رد