أسيوط: عماد صابر العمدة
يقف مسجد الأمير علي الكاشف جمال الدين، في قلب مدينة منفلوط، وتحديدًا بمنطقة القيسارية العريقة، شامخًا منذ ما يقرب من ثلاثة قرون، شاهدًا على أصالة الفن الإسلامي وعراقة العمارة المملوكية والعثمانية في صعيد مصر، فهذا المسجد ليس مجرد مبنى للعبادة، بل هو تحفة معمارية متكاملة تجمع بين وظائف المسجد والمدرسة والضريح، وتضم بين جنباتها اثنتين وعشرين قطعة أثرية نادرة تروي قصة الإبداع الفني عبر العصور.
ينتمي علي الكاشف جمال الدين إلى إحدى الأسر العريقة التي عُرفت بمدينة منفلوط، إذ كان والده جمال الدين الكاشف من كبار التجار المشهورين في المدينة، وقد نشأ ابنه علي في هذا البيت التجاري العريق. ولم تحفظ لنا المصادر التاريخية المتاحة تفاصيل دقيقة عن سنة مولده أو مراحل نشأته المبكرة، غير أن اللوحة التأسيسية للمسجد تكشف عن مكانته وتقواه، إذ وصف نفسه فيها بـ”العبد الفقير المرتجي الأجورا”، في تواضع جليّ يعكس روحًا إيمانية خالصة دفعته لإنشاء هذا الصرح الديني الذي جمع فيه بين المسجد ودار العلم ومدفن العائلة، ليخلّد اسمه واسم أسرته في ذاكرة المدينة حتى اليوم.
تم انشاءئه في 1176هـ الموافق 1772م، وحمل رقم التسجيل الأثري: (232) لسنة 2005م بقرار هيئة الآثار، ويزخر المسجد من الداخل بعدد من النقوش الكتابية التي تحمل دلالات دينية وتاريخية، أبرزها:
نقش المدخل الرئيسي: يحمل الخشب الخرط المزخر فوق الباب عبارات تحمل لفظ الجلالة والشهادتين، في تقليد معماري شاع بمساجد تلك الحقبة لبركة الدخول والخروج.
اللوحة التأسيسية الرخامية أعلى المحراب: وهي أهم النقوش الكتابية بالمسجد على الإطلاق، مكوّنة من خمسة أسطر، وتعلوها قمرية رخامية مستديرة، ونصها:
“بسم الله الرحمن الرحيم، وبشّر المؤمنين. لا إله إلا الله، محمد رسول الله. أسّس هذا المسجد المعمورا عبدٌ فقيرٌ مرتجي الأجورا، يُسمى علي كاشف جمال الدين، حفّ بلطف ربه الغفورا. وأُعطي المأمول في الدارين، في الجنات اسكن مستورا. في عام ستٍّ وسبعين، بُني مع مناه والألف جار، مشهورا.”
زخارف المنبر الخشبي: تحمل نقوشًا هندسية وأشكالًا نجمية متداخلة (البرامق والأطباق النجمية)، وهي زخارف تجريدية غلب عليها الطابع الإسلامي الخالص خاليًا من الكتابة، لكنها تحمل قيمة فنية بالغة تعكس مهارة الصنّاع المحليين في تطويع الخشب.
ويقع المدخل الرئيسي للمسجد بالواجهة الشمالية الشرقية المطلة على شارع علي الكاشف، وهو مبني من الطوب المنجور (الطوب الأسود المحروق)، ويوجد على جانبيه مكسلتان (مصطبتان) عن يمين ويسار الداخل. ويتوّج المدخل عقد مدائني ثلاثي الفصوص مزخرف، يتوسطه باب خشبي من ضلفتين، زُخرف بأشكال هندسية من مستطيلات ومربعات وأطباق نجمية، يعلوه عتب خشبي مزخرف برسوم زيتية، وتعلوه نافذة من الخشب الخرط الدقيق. وأمام المدخل سلم دائري من أربع درجات.
أما الواجهات الثلاث الأخرى، فتزينها شبابيك متعددة من الخشب الخرط في أعلى الجدران، إلى جانب فتحات ونوافذ أخرى في الأسفل.والمسجد مربع الشكل تقريبًا، ويتوسط جدار القبلة حنية المحراب، وهي حنية يتوّجها عقد نصف دائري يرتكز على عمودين من الرخام.
ويقع المنبر إلى جوار المحراب مباشرة، ويتكون من باب الصدر الذي يؤدي إلى درج ينتهي بجلسة الخطيب، يعلوها جوسق مخروطي يتوّجه الهلال، وقد زُخرفت جوانب المنبر بزخارف هندسية وأشكال البرامق والأطباق النجمية، في تناسق فني بديع يعكس مهارة الصنّاع في تلك الحقبة.
ويوجد في الركن الشمالي الغربي من المسجد مقصورة مخصصة لصلاة النساء، ترتكز على عمود خشبي، وسقفها من الألواح الخشبية، ويحيط بها درابزين من خشب الخرط، ويُصعد إليها عبر سلم يقع بجوار المئذنة.
وتتبع المئذنة الأثرية طراز المآذن المملوكية والعثمانية، وتزخر بدخلات على هيئة محاريب وأشرطة كتابية ومقرنصات.
لايمثل مسجد الكاشف مجرد أثر معماري خالد، بل هو جزء أصيل من الذاكرة الروحية لأهالي منفلوط، الذين ارتبطوا به ارتباطًا وثيقًا عبر الأجيال، ويقصدونه للصلاة من كل حدب وصوب، خاصة في شهر رمضان المبارك لأداء صلاة التراويح.
كما يضم المسجد مقبرة تحوي رفات عدد من أبناء المؤسس، وكذلك أول إمام له، فيما تزيده منطقة القيسارية الأثرية العريقة عبقًا وأصالة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم