ليلة فلسطينية وروح صوفية في ليالي الأوبرا الرمضانية

شهدت دار الأوبرا المصرية واحدة من أمسياتها الرمضانية المميزة التي جمعت بين التراث الأصيل والتجارب الموسيقية المعاصرة، ضمن برنامجها الفني الذي يتواصل طوال الشهر الكريم برئاسة الدكتور علاء عبد السلام، حيث احتضن مسرحا الصغير والجمهورية ليلة فنية ثرية تنوعت بين الفلكلور الفلسطيني والإنشاد الصوفي والموسيقى الحديثة، وسط حضور جماهيري لافت وتفاعل واضح مع مختلف الفقرات.
على المسرح الصغير، قدمت فرقة كنعان للثقافة والفنون عرضًا حركيًا وتراثيًا عكس ملامح الهوية الفلسطينية، وذلك بالتعاون مع الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الدولية وسفارة فلسطين بالقاهرة، وبحضور ناجي الناجي نائب السفير الفلسطيني. وظهرت الفرقة بملابسها التقليدية في لوحات استعراضية مستوحاة من التراث الشعبي الفلسطيني، حيث تفاعل الجمهور مع العروض التي جسدت روح الأرض الفلسطينية وثقافتها المتجذرة في الوجدان.
وكانت رقصة الدبكة الشهيرة من أبرز الفقرات التي حظيت بإعجاب الحضور، إذ ألهبت حماس الجمهور بإيقاعاتها السريعة وحركاتها المتناغمة التي تعكس روح الجماعة والاحتفال في التراث الشعبي. كما تضمن البرنامج عرض “بعث” الذي قُدم للمرة الأولى، وجاء في صورة لوحة فنية تعبيرية حملت دلالات رمزية مرتبطة بالهوية والصمود.
وتخللت الأمسية مجموعة من الأهازيج والأعمال الغنائية الفلكلورية التي استحضرت أجواء التراث الفلسطيني وروائحه المرتبطة بأرض الزيتون والياسمين، حيث امتزج الغناء بالحركة في مشهد فني نابض بالحيوية. وقاد العرض المايسترو أنس النجار، وشاركت فيه ليندا مهدي ويارا قوريق، ليقدما مع أعضاء الفرقة تجربة فنية أبرزت ثراء الموروث الشعبي الفلسطيني وقدرته على الحضور بقوة على خشبات المسارح العربية.
وفي الوقت نفسه، شهد مسرح الجمهورية تجربة فنية مختلفة حملت عنوان “من الأرض إلى السماء”، قدمها فريق وسط البلد في رحلة موسيقية مزجت بين حيوية الموسيقى المعاصرة وروحانيات الإنشاد والابتهال، في تجربة فنية حاولت التقريب بين أنماط موسيقية تبدو متباعدة لكنها تلتقي في روحها الإنسانية.
واستضاف الفريق خلال الحفل عددًا من الأصوات المميزة، منهم الشيخ إيهاب يونس، والمنشد عبد الرحمن بلاله، والمطرب عادل ميخا، وسلوان محمد، حيث قدموا فقرات جمعت بين الغناء والإنشاد في أجواء روحانية تناسب أجواء الشهر الكريم.
وتنقلت فقرات الحفل بين ألوان موسيقية متعددة جمعت بين الأغنية المعاصرة والإنشاد الصوفي، في تجربة سعت إلى الربط بين الواقع الإنساني وروحانيات السماء كما جاء في عنوان الحفل. وتضمن البرنامج مجموعة من الأعمال التي لاقت تفاعلًا من الجمهور، منها: “قل للمليحة”، “يا جزيرة”، “أبشروا”، “يا إمام الرسل”، “قمر”، “باب السما”، “المسحراتي”، “صلوا عليه”، “الله ليه”، “دبل قالس”، “لما قسى قلبي”، “سيدي عمر”، و“المسك فاح”.
وشهدت الأمسية حالة من التفاعل الواضح بين الفنانين والجمهور، حيث ردد الحضور بعض المقاطع الغنائية وتفاعلوا بالتصفيق مع الفقرات التي جمعت بين الطابع التراثي والروح الصوفية، وهو ما أضفى على الحفل أجواء احتفالية تتناسب مع روح ليالي رمضان.
وتعكس هذه الفعاليات حرص دار الأوبرا المصرية على تقديم برنامج فني متنوع خلال الشهر الكريم يجمع بين الفنون التراثية والتجارب الموسيقية المختلفة، بما يسهم في مد جسور التواصل الثقافي بين الشعوب العربية والإسلامية، ويعزز حضور الفنون كأحد مظاهر الاحتفاء بالشهر الفضيل.
كما تؤكد هذه الليالي أن الإبداع الفني قادر على توحيد الذائقة الثقافية للجمهور، وخلق مساحة تجمع بين التراث والحداثة، في أجواء رمضانية مفعمة بالروحانية والبهجة، بما يعزز مكانة الأوبرا كمنصة رئيسية لعرض الفنون الراقية والتجارب الموسيقية المتنوعة.

