قد يرى البعض أن الوقت ما زال مبكرا لاستخلاص دروس مستفادة من الحرب الأمريكية الإيرانية. إلا أن أية أزمة أو صراع أو حرب عادة ما تحمل كل يوم أحداثا جديدة وتطورات تستدعي التفكير فيها والتعلم منها.
وأولى هذه الدروس الراهنة والتي يمكن بدورها أن تتطور وتتحور هي بزوغ خطاب سياسي قائم على التناقضات والتضليل والمناورة في معظمه ومن كافة الأطراف، الأمر الذي يعمق من اللايقين والغموض ويقوض أية جهود دبلوماسية لإنهاء الحرب.
ومن بين هذه الدروس أيضا – والتي ما زالت في مرحلة التكوين – هي ضرورة عدم الاعتماد بشكل كلي على القدرات العسكرية الأجنبية (الأمريكية أو الأوروبية أو حتى الآسيوية) في الدفاع والزود عن أراضي دول المنطقة حتى في ظل وجود قواعد عسكرية أو اتفاقيات دفاعية مشتركة، وذلك إما لتباين المصالح الراهنة أو لاعتبارات لحظية أخرى. بل يمكن القول بأنه لا بد من إعادة النظر القانونية وإعادة الحسابات السياسية حول دور التواجد العسكري الأجنبي على أراضي بعض دول المنطقة.
أما الدرس الثالث الذي يمكن أن نتعلمه فهو كيفية استيعاب دول المنطقة لحجم التناقضات المصاحبة لتلك الحرب. فالجغرافيا لن تتغير ولا التاريخ. فالتحالفات العابرة للحدود قد لا تستقر، كما أن الصراع مع دول الإقليم – وبصفة خاصة إيران وتركيا – لن يدوم للأبد. وأن على دول المنطقة أن تعي أن لديها مصالح مشتركة في الحفاظ على مواردها ومقدراتها وقدرتها على المناورة مع قوى دولية تسعى نحو الهيمنة على المفاصل الجيوسياسية الحيوية (مضيق هرمز – باب المندب – قناة السويس) وعلى الثروات المعدنية وغير المعدنية.
أما الدرس الرابع فهو المتعلق بفهمنا للتنمية المستدامة وأهميتها. فقد دمرت الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية أحد عشر ألف هدف على الأراضي الإيرانية بين منصات صواريخ وبنية تحتية ومصانع وجامعات. ومن المتوقع – بل من المؤكد – أن تستهدف الولايات المتحدة وكيان الاحتلال المزيد من الأهداف الإيرانية. أي أن المعركة قد تمتد لأسابيع أو ربما لأشهر. وهو ما لا يؤرق كيان الاحتلال الذي يسعى إلى تكسير أضلع وأطراف النظام الإيراني بالكامل. أما إيران فيمكنها الاستمرار في الحرب لسنوات رغم الخسائر الفادحة. وخبرة الحرب العراقية الإيرانية والحصار الاقتصادي الطويل على إيران علمت النظام والشعب الإيراني الصمود والقدرة على ترميم ما تم هدمه. وتفسير ذلك أن النظام الإيراني – سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مكوناته – استثمر في البشر وفي العلم. حيث استثمرت إيران في قدرات الإنسان الإيراني لبناء دولة قادرة على البقاء. وهو ما يفسر استهداف كيان الاحتلال للجامعات التكنولوجية والمعامل البحثية والعلماء النوويين في إيران. حيث ما زالت إيران تختبر أسلحتها – التي قد لا تماثل القدرات العسكرية الأمريكية المتطورة – في حرب حقيقية بدأت في العام الماضي. وهذه التقنيات العسكرية ساهمت الصين وروسيا مع إيران في تطويرها ودعمها وتسويقها. كما يرتبط بهذا الدرس أهمية ترشيد وحسن استخدام الموارد النفطية وغير النفطية في المنطقة، وذلك من خلال زيادة القدرات الإنتاجية لدول المنطقة وزراعة وتصنيع احتياجاتها الرئيسية من غذاء ودواء وسلاح.. حتى لا تقع تحت أنياب من لا يرحم..
أما الدرس الأخير فهو أن القوة العسكرية لا تستطيع تغيير الأنظمة الحاكمة، بل تتسبب في حروب أهلية وصراعات داخلية واستنزاف مقدرات الشعوب كما حدث في أفغانستان وفنزويلا وغيرهما.
فهل نتعلم؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع