عرب-وعالم

من الكرملين إلى دمشق.. 3 سيناريوهات تحدد شكل العلاقة بين الشرع وبوتين

تقرير: سمر صفي الدين

بينما كانت صواريخ موسكو تمطر سماء سوريا دفاعًا عن بشار الأسد قبل أعوام، ها هو اليوم خليفته أحمد الشرع يصافح فلاديمير بوتين في أروقة الكرملين. في مشهد يلخص تحول العداوة إلى تقاطع مصالح. من ساحات القتال إلى قاعات الدبلوماسية، تعود دمشق إلى موسكو بثوب جديد، بحثًا عن شراكة مختلفة توازن بين الحاجة والندية.

والتقى رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو، في زيارة هي الأولى له منذ توليه منصبه، لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيز التعاون الاستراتيجي في مختلف المجالات.

وفي هذا الصدد، يرصد هذا التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقات السورية الروسية في ثوبها الجديد، وكذا نتائج زيارة الشرع إلى روسيا.

توازنات جديدة

تفتح زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو الباب أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقات السورية الروسية:

السيناريو الأول: تفاهم الضرورة، وهو الأقرب للتحقق، يقوم على تفاهمات محدودة تُبقي الوجود العسكري الروسي كما هو. مقابل تعهد موسكو بعدم التدخل في السياسة الداخلية وضمان استمرار مشاريعها في مرافئ طرطوس وبانياس. إضافة إلى تنسيق أمني في محاربة الإرهاب.

أما السيناريو الثاني: تحالف الاستقرار الجديد، فيُعد أكثر تفاؤلًا، ويتمثل في توقيع شراكة استراتيجية تحترم السيادة السورية وتقلّص النفوذ العسكري الروسي. مقابل تعاون اقتصادي ضخم وانسحاب تدريجي من بعض القواعد، بما يمنح الشرع صورة القائد المستقل.

بينما السيناريو الثالث: عودة النفوذ الروسي، وهو الأكثر تشاؤمًا، ويفترض فشل التفاهمات. ما قد يؤدي إلى بقاء القوات الروسية بشكل دائم وإثارة غضب داخلي في سوريا، ويعيد البلاد إلى دائرة التبعية لموسكو.

موسكو ودمشق.. خطوات ضرورية

في هذا الصدد، قال الكاتب الصحفي السوري عمار جلو، إن ما يجري حاليًا في العلاقة بين موسكو ودمشق يعد “خطوات للضرورة” في إطار محاولة إعادة ترتيب العلاقات بين البلدين بعد مرحلة التوتر التي أعقبت سقوط نظام الأسد وظهور السلطة الجديدة في سوريا.

وأوضح جلو أن العلاقات السورية الروسية متشابكة تاريخيًا، سواء في عهد الاتحاد السوفيتي أو روسيا الاتحادية. حيث قدمت موسكو دعمًا هائلًا لسوريا على مدى عقود.

لافتًا إلى أن التدخل الروسي خلال الثورة السورية جاء بدافع “تحييد الفصائل الإرهابية” وإثبات الحضور الروسي في الساحة السورية بهدف فرض حلول سياسية تتماشى مع مصالحها.

كما أضاف أن السلطة السورية الجديدة تبدو أكثر تناغمًا مع التوجهات الغربية، ولا سيما الأمريكية. مشيرًا إلى أن واشنطن تمتلك هامشًا أوسع في التعامل مع دمشق مقارنة بالأوروبيين.

لكنه شدد على أن التوجهات السورية الحالية تجاه روسيا ما تزال “اعتباطية وغير مدروسة”. وأنها لا تعكس برنامجًا سياسيًا واضحًا لبناء علاقة جديدة بقدر ما تمثل مراجعة أو تفكيكًا للاتفاقيات السابقة.

زيارة الشرع.. رمزية

بالإضافة إلى ما سبق، بيّن جلو أن الزيارة الأخيرة للرئيس الشرعي إلى موسكو جاءت في إطار رمزي أكثر من كونها زيارة رسمية تحمل اتفاقات أو نتائج عملية.

وأوضح أنها كانت مقررة ضمن القمة العربية الروسية قبل إلغائها. وأن دمشق سعت من خلالها لإظهار امتلاكها خيارات بديلة في حال تصاعدت معارضة الغرب لمطالبها.

كما رأى أن هذه الخطوة قد تنقلب على دمشق لاحقًا، خاصة بعد ما وصفه بـ”العودة الجغرافية” لروسيا داخل الأراضي السورية. وهو ما اعتبره خطأً كبيرًا من الحكومة الجديدة التي كان يفترض بها العمل على إخراج الفاعلين الأجانب لا إعادة تفعيل أدوارهم.

وأشار جلو إلى أن موسكو تصر على الإبقاء على وجودها العسكري في سوريا. ولا سيما في قاعدة طرطوس البحرية التي تمثل بالنسبة لها “نقطة ارتكاز استراتيجية للوصول إلى إفريقيا”. مبينًا أن فقدانها يعني عمليًا إغلاق البحر الأسود في وجهها.

وختم الخبير السوري بأن الحديث عن تحالف استراتيجي جديد بين دمشق وموسكو لا يزال مبكرًا، إذ لم تظهر أي مؤشرات عملية على ذلك، رغم بقاء “الإرث الاستراتيجي الطويل” بين الجانبين. ودعم موسكو الدائم لحقوق سوريا في المحافل الدولية ومساعدتها العسكرية على مدى العقود الماضية.

إعادة رسم التحالفات

وعلى صعيد متصل، أكد الشرع في مستهل لقائه مع بوتين أن “سوريا تمر بمرحلة جديدة تسعى فيها إلى إعادة بناء علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع الدول الإقليمية والعالمية، وفي مقدمتها روسيا الاتحادية”. مشيرًا إلى عمق الروابط التاريخية بين البلدين.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر دبلوماسية سورية أن الوفد المرافق للشرع طلب من موسكو ضمانات بعدم “إعادة تسليح بقايا قوات النظام السابق”، إلى جانب دعم روسي لإعادة بناء الجيش السوري الجديد وتحديث مؤسساته العسكرية.

القواعد الروسية والاقتصاد

اللقاء الذي استمر أكثر من ساعتين تطرق إلى مستقبل القواعد الروسية، حيث أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن “موضوع القواعد كان على جدول الأعمال”. بينما أوضح وزير الخارجية سيرغي لافروف أن “كل شيء نوقش خلال الاجتماع”.

من جانبه، أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن المباحثات شملت مشاريع في الطاقة والنقل والسياحة والرعاية الصحية، مؤكدًا استعداد موسكو للمشاركة في إعادة إعمار سوريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى