خاص| الحمى الشوكية وأطفال غزة… هل تنذر بانتشار وبائي؟

تقرير: مروة محي الدين

“إيلين محمد عبد الكريم عصفور- 11 عامًا”… قصة جديدة لمأساة، طفلة قتلها الاحتلال اليوم- الثلاثاء- منذ سويعات قليلة، لم يقتلها بالقصف ولا بإطلاق النار، بل قتلها بالمرض، مثلها مثل باقي أطفال القطاع لأنها فلسطينية من غزة، ليكون موتها شهادة على جريمة الاحتلال بخنق القطاع الطبي في غزة.

المرض والإصابة

أصيبت الفتاة بمرض الحمى الشوكية البكتيرية، ضمن 7 حالات دخلت مجمع ناصر الطبي مصابة بالمرض خلال 72 ساعة الأخيرة، وكان عدد الخلايا البكتيرية في السائل الدماغي الشوكي عندها 4800 خلية، ما أدى لتجمع السوائل داخل الدماغ، فضغطت على مراكز التنفس والقلب في جذع الدماغ، فتوفيت بعد فترة من بقائها على جهاز التنفس الصناعي.

وقد شهد المجمع زيادة كبيرة في عدد المصابين بالمرض خلال 72 ساعة، بعد أن كان معدل الإصابة به- قبل الحرب- يتراوح بين حالة إلى حالتين فقط في العام الواحد، وقد بلغ عدد الخلايا البكتيرية في السائل الدماغي الشوكي في بعض الحالات ما بين 12800 خلية و 27 ألف خلية وحتى 40 ألف خليه، وهي أرقام غير مسبوقة في أقسام الأطفال في غزة.

وعزى الدكتور “أحمد الفرا”- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- أسباب الإصابة وزيادة الحالات إلى الظروف الإنسانية التي تعيشها غزة، فقال في تصريحات خاصة لموقع اليوم: “أهم أسباب ظهور تلك الحالات بهذا المعدل تتمثل في: أولا ضعف الجهاز المناعي لدى أطفال القطاع، ثانيا الازدحام الشديد، ثالثا المياة غير النظيفة، رابعا سوء التغذية والطعام غير الصحي”.

احتمال الانتشار الوبائي

الحمى الشوكية: هي مرض خطير، عبارة عن التهاب الأغشية المحيطة بالدماغ والسائل الدماغي الشوكي، حسب “الفرا”، وقال عن انتشار المرض: “ينذر ارتفاع عدد الحالات بالمعدل الحالي بأننا مقدمون على ساعات قد تزداد الحالات فيها بشكل كبير، نسأل الله ألا يكون انتشارًا وبائيًا، لأن ذلك سيشكل كارثة كبرى للقطاع الصحي إن حدث، بسبب خطورة المرض”.

وقد أوضح صور الخطورة في المرض، التي تتصاعد من ترك أثر مستديم حتى الوفاة، فقال: “خطورة المرض تتمثل في أن عدم التشخيص المبكر له قد يسبب فقدان السمع أو البصر، أو شلل في أحد مراكز الحركة، أو التشنجات، أو ضعف الإدراك الحسي والحركي؛ وليس ببعيد ما حدث مع الفتاة البريئة إيلين، التي توفيت بسبب هذا المرض؛

وعلى العكس من ذلك، حال اكتشف المرض مبكرا وتم التعامل معه وعلاجه بشكل جيد، يمكن أن يشفى المريض دون ترك أثر عليه، حيث تعتمد نسبة الوفيات والتطورات السيئة للمرض على: القدرة على التشخيص السريع، وسرعة حضور الأهل بالحالة إلى المستشفى مبكرًا، ومناعة المصاب بالحمى”

وشدد على أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى كارثة وبائية، قائلًا: “تشير توقعاتنا إلى أنه حال استمرار الوضع على ما هو عليه؛ من: الفقدان الشديد للأمن الغذائي، وظروف النزوح الصعبة، وسوء التغذية، والازدحام الشديد، وتأخر الوصول إلى المستشفيات، بسبب تدمير شبكة المواصلات؛ ستسير الأوضاع نحو الأسوأ، بما يصل إلى مراحل شديد الخطورة”.

نقص الأدوية

يقف نقص الأدوية أهم عقبات التعامل مع المرض، سواء على مستوى العلاج، أو مستوى الاكتشاف والفحص السريع، وأوضح “الفرا” ذلك، فقال: “بشكل عام كثير من الأدوية مفقودة في قطاع غزة، حيث شارف رصيد 80% من الأدوية على الانتهاء، و60% من الأدوية الأساسية رصيدها صفري، من بينها أدوية إنقاذ الحياة، مثل: سرفاكتانت للأطفال المواليد، والألبومين للأطفال الذين يعانون من نقص بروتينات الدم، و IVIG لعلاج متلازمة الجيلان باريه، والألتروكسين لعلاج قصور الغدة الدرقية، وغيرها كثير من الأدوية مفقودة في غزة”.

وأضاف: “فيما يتعلق بالحمى الشوكية، أشهر النواقص: علاج الفانكومايسين الذي أضحى شحيحا إلى حد ما، وكذلك علاج ميروبينيم الذي يستخدم في علاج الحمى الشوكية المعقدة العصية على العلاجات التقليدية؛ ومما يسهم في تقليص قدرة المستشفى على التعامل مع المرض، نقص المزارع الخاصة بالسائل الدماغي الشوكي، لمعرفة نوع البكتيريا المسببة للمرض، وكذلك شح المعدات المخبرية والأنابيب اللازمة بشكل عام”.

ولفت إلى أهمية توفير مستلزمات المستشفيات للتعامل مع المرض، قائلًا: “تحتاج المستشفى إلى توفير المضادات الحيوية اللازمة، مثل: الفانكومايسين، وتوفير مزارع السائل الدماغي الشوكي- CSF، وتوفير الأماكن في المستشفيات التي تعاني ازدحاما شديدا”.

جريمة الاحتلال 

أكد “الفرا” في تصريحاته على أن الاحتلال أسهم مباشرة في حدوث ذلك “بالحرب”، مستخدما سياسية العقاب الجماعي، “عبر منع دخول الغذاء الصحي، الذي أدي إلى إضعاف الأجهزة المناعية، حيث لا يوجد لحوم طازجة أو دجاج أو أسماك، فجميع ما يدخل القطاع أغذية مجمدة، وبالمثل في الخضر والفاكهة، التي لا يدخل منها إلا المستورد وبأسعار مرتفعة جدا؛

والازدحام الشديد في أماكن الإيواء، وتدمير منظومة الصرف الصحي، وتلوث مياة الشرب والمياة الجوفية؛ وبالمثل لعب البرد الشديد والخيام المهترئة دورا كبيرا في إضعاف مناعة السكان، وكذلك منع دخول المواد الأولية، ومنع دخول البيوت المتنقلة- الكرفانات؛ جميعها في النهاية عوامل ذات أثر في انتشار مثل تلك الأمراض”.

اترك رد