تعد مصر دولة ذات سيادة ومكانة رفيعة في الشرق الأوسط، فهي قلب الأمة النابض؛ إن وهنت ضعف العالم العربي، وإن صحت عاد أثرها على الأمة بأسرها. لم تكن مصر عبر التاريخ دولة استعمارية، بل سعت دائماً للحفاظ على عمقها الاستراتيجي، وهو حق مشروع لأي دولة بحجمها، الأمر الذي جعلها مطمعاً للقوى الاستعمارية التي سعت لتحييدها عن هذا الدور.
لقد ظلت مصر حاضرة بفاعلية على مر العصور، وخاضت معارك عديدة منذ العهد الفرعوني مروراً بالعصر الإسلامي، وصولاً إلى عصرنا الراهن؛ بهدف حماية أمنها الاستراتيجي وتمكينها من مساندة حلفائها، وهو ما تجلى في وحدة بين مصر والسودان وسميت بوحدة وادي النيل، ومساندة القوات المسلحة المصرية للدولة العثمانية في إخماد الثورة اليونانية، والذي به يُوَسَّع نطاق الدولة المصرية وراء البحار، ودعمها ضد الإمبراطورية الروسية، فضلاً عن امتداد نفوذها إلى أوروبا حين ساندت فرنسا في حربها ضد المكسيك بعد أن تخلت عنها إنجلترا وإسبانيا.
لذا، لا غرابة في استنفار مصر دفاعاً عن المملكة العربية السعودية؛ فهي الركيزة الأساسية للأمن القومي العربي. ولا يعني هذا الدفاع الانخراط المباشر في الحرب، بل اتخاذ موقف رادع يمنع اندلاعها من خلال تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية؛ لتجنب نزاع قد يؤدي إلى تصدع العالم العربي بما يخدم أعداء الأمة.
وهي خطوة حصيفة من القيادة المصرية، شريطة تجنب الانزلاق كطرف أصيل في الصراعات، كما حدث في عهد الرئيس جمال عبدالناصر عند التدخل في اليمن لدعم الثورة ضد الملكية؛ مما ألقى بظلال سلبية على العلاقات العربية، وأنهك الاقتصاد والجيش المصري، وساهم في تداعيات حرب عام 1967.
ينطوي التدخل المصري للدفاع عن السعودية على حنكةٍ سياسيةٍ بالغة؛ إذ قطع الطريق أمام محاولات إسرائيل الحثيثة لإبرام اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة، وهي خطوة كانت القيادة السعودية قد تُضطر إليها لولا الموقف المصري؛ هذا القرار يحمل دلالات إيجابية بالغة الأهمية إذا ما نظرنا إلى الأمور بعين العقل والتبصر.
ولو تأملنا سيناريو واقعياً محتملاً، فإنه في حال شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً واسعة ضد إيران، فإنها ستكون -من منظور عقلاني- حرباً تكتيكية تهدف في جوهرها إلى استنزاف السعودية ودول الخليج. قد يتساءل البعض عن ذلك نظراً لما نراه من تفوق إيراني ظاهري واضطرار واشنطن وتل أبيب للتراجع، لكن هذه هي الرواية التي يصدرها إعلام تلك الدول؛ بينما الحقيقة خلف الستار هي تضخيم “البعبع الإيراني” لزرع الفتنة مع العالم السني، وتدمير البنية التحتية والمنشآت النفطية لدول الخليج تحت غطاء استهداف القواعد الأمريكية، بهدف إعادتها إلى عصور التخلف، وشل قدرتها على دعم مصر حال تعرضها لأي تهديد مستقبلي.
لذا، أرى أن قرار القيادة المصرية صائب، بشرط تجنب أخطاء الماضي وعدم الانزلاق إلى الصراعات الجانبية؛ إذ إن إيران وأمريكا وإسرائيل يتقاسمون الأهداف ذاتها في تقويض الأمة، وتجريدها من قدراتها الدفاعية، وتفكيك الدول الإسلامية القوية كتركيا وباكستان، وبث الفرقة بين الشعوب العربية.
لقد استعرض التاريخ استراتيجيات القوى الكبرى، بدءاً من الرومان وصولاً إلى استغلال الفتن الداخلية في التاريخ الإسلامي منذ مقتل عثمان، مروراً بالنزاعات بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وصولاً إلى تأجيج الصراعات بين الدولة الأموية والعباسية ودعم الحركات الانفصالية، وإثارة النعرات العرقية والمذهبية، وتحريض الأقليات، فلا تعيدوا إنتاج السيناريو ذاته اليوم عبر نشر الشائعات والفتن التي يجيدها أعداؤنا؛ إيماناً منهم بمبدأ “فرّق تسُد”، فكونوا على قلب رجل واحد خلف قياداتكم، وإدراك خطورة هذه اللعبة، كما يجب أن نعلم جيدًا أن قوتنا في وحدتنا. حفظ الله مصر والعالمين العربي والإسلامي من كل شر.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم