لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية، اليوم السبت، مجرد كلمة في مناسبة رسمية، بل حملت رسائل تتجاوز حدود الاحتفال إلى قضايا أكثر ارتباطًا بمستقبل الدولة المصرية، وآليات إعداد القيادات، وطبيعة المرحلة المقبلة، فضلًا عن موقف مصر من التطورات الإقليمية وأمن دول الخليج.
ولعل أبرز ما لفت الانتباه في كلمة الرئيس هو تأكيده انتهاء مدة رئاسته عام 2030، مشددًا على عدم المساس بالدستور، بالتوازي مع طرح رؤية لإعداد كوادر جديدة قادرة على تحمل المسؤولية وقيادة مؤسسات الدولة. وهي رسائل تفتح الباب أمام نقاش مهم حول كيفية الاستعداد للمستقبل، وضمان استمرارية مؤسسات الدولة، وبناء منظومة مستدامة لإعداد القيادات.
أولًا: ما بعد 2030.. الاستعداد للمستقبل يبدأ من الآن
عندما يؤكد الرئيس أن مدة رئاسته تنتهي عام 2030، وأن الالتزام بالدستور أمر محسوم، فإنه يضع مسألة انتقال المسؤولية والاستعداد للمراحل المقبلة في صدارة النقاش العام. لكن الدلالة الأهم في حديثه لا تتعلق بتحديد موعد انتهاء المدة الرئاسية فحسب، بل تمتد إلى ضرورة إعداد كوادر مؤهلة تستطيع تحمل المسؤولية، وضمان ألا تظل مؤسسات الدولة رهينة للأشخاص، وإنما تستند إلى كفاءات قادرة على مواصلة العمل وتحقيق الأهداف.
وفي هذا السياق، طرح الرئيس فكرة إعداد مجموعة من الكوادر داخل الأكاديمية العسكرية المصرية لمدة 30 شهرًا، من خلال برنامج يستهدف تعريفهم بالدولة ومؤسساتها ومقدراتها، وتأهيلهم لتولي المسؤوليات العامة، وفق إطار منظم للاختيار والتدريب، وبمشاركة شخصيات ومسؤولين من مؤسسات مختلفة.
وتقوم الفكرة، وفقًا لما طرحه الرئيس، على أن مصر تمتلك من الكفاءات والخبرات ما يؤهلها لإعداد أجيال جديدة من القيادات، وأن الوصول إلى مواقع المسؤولية ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة، وقدرات حقيقية، واستعداد لتحمل الأعباء، لا إلى الأسماء أو العلاقات.
ومن هنا، فإن الحديث عن عام 2030 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره محطة زمنية فحسب، بل باعتباره فرصة للتفكير في طبيعة الدولة التي نريدها، ومدى استعداد مؤسساتها وكوادرها للتعامل مع متطلبات المستقبل.
ثانيًا: إعداد القيادات.. من الفكرة إلى المنظومة المؤسسية
من الرسائل المهمة في كلمة الرئيس تأكيده أن الدولة المصرية قادرة على إعداد كوادر أفضل، وأن بناء جيل جديد من القيادات يجب ألا يرتبط بشخص بعينه أو عائلة أو مجموعة محددة، وإنما يقوم على اكتشاف الكفاءات وتأهيلها وإتاحة الفرصة أمامها لتحمل المسؤولية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق فكرة إعداد القيادات وحدها، بل في تحويلها إلى منظومة مؤسسية واضحة ومستدامة، تستمر بغض النظر عن تغير الأشخاص أو المسؤولين، وتخضع لمعايير موضوعية في الاختيار والتقييم والتأهيل.
وهنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين التدريب الجيد، وتكافؤ الفرص، والشفافية في اختيار الكوادر، وبين حق المواطنين في المشاركة والاختيار وفقًا للقواعد الدستورية والقانونية المنظمة للحياة العامة.
فإعداد القيادات لا يعني فقط امتلاك المعرفة أو اجتياز البرامج التدريبية، بل يتطلب أيضًا القدرة على اتخاذ القرار، وفهم احتياجات المجتمع، وإدارة الموارد بكفاءة، وتحمل المسؤولية، والاستجابة لتطلعات المواطنين.
كما أن نجاح أي منظومة لإعداد القيادات يرتبط بمدى قدرتها على اكتشاف أصحاب الكفاءات من مختلف المجالات، وإتاحة فرص عادلة أمامهم، وربط التقدم إلى مواقع المسؤولية بالجدارة والإنجاز، بما يضمن أن يكون التأهيل مدخلًا حقيقيًا لتطوير الأداء العام، وليس مجرد مرحلة تدريبية منفصلة عن متطلبات الواقع.
ثالثًا: قوة المؤسسات.. ضمانة الاستقرار واستمرارية الدولة
تطرقت كلمة الرئيس كذلك إلى أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ودور القوات المسلحة في حماية البلاد وصون أمنها واستقرارها، مع التأكيد على أنها جزء أصيل من الشعب المصري.
وتتصل هذه الرسالة بفكرة أوسع، مفادها أن استقرار الدول لا ينبغي أن يرتبط بالأشخاص أو المراحل الزمنية، بل يستند إلى مؤسسات قوية، وقواعد عمل واضحة، وقدرة على التعامل مع التحديات المتغيرة.
فالمؤسسات القوية هي التي تستطيع مواصلة أداء مهامها بكفاءة رغم تغير المسؤولين، وتنقل الخبرات من جيل إلى آخر، وتحافظ على استمرارية العمل العام، بما يضمن عدم ارتباط مستقبل الدولة بإرادة فرد أو بقاء مسؤول في موقعه.
لكن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية الدولة والحفاظ على استقرارها، وإنما أيضًا بكفاءة أدائها، وقدرتها على تطوير أساليب عملها، والاستجابة لاحتياجات المجتمع، وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين.
ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الإنسان، سواء من خلال التعليم أو التدريب أو اكتشاف المواهب أو إتاحة الفرص أمام الكفاءات؛ فبناء الدولة لا يقتصر على المشروعات والمنشآت، بل يشمل بالأساس بناء قدرات الأشخاص الذين يتولون إدارتها وتشغيلها وتطويرها.
وكلما ارتبطت قوة المؤسسات بالكفاءة والمساءلة وتكافؤ الفرص، أصبحت أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر استعدادًا للمستقبل، وأقل تأثرًا بالتغيرات التي تفرضها المراحل المختلفة.
رابعًا: أمن الخليج.. امتداد للأمن العربي والمصالح المشتركة
لم تقتصر كلمة الرئيس على الملفات الداخلية، بل امتدت إلى علاقات مصر بدول الخليج، حيث أشار إلى مواقف هذه الدول تجاه مصر خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أهمية أمنها واستقرارها.
ويعكس هذا الجانب من الكلمة أهمية الروابط السياسية والأمنية التي تجمع مصر بدول الخليج، في ظل واقع إقليمي تتداخل فيه الأزمات والصراعات، وتتجاوز تداعياتها حدود الدول التي تشهدها.
فأمن المنطقة يرتبط باستقرار دولها، وحماية الملاحة، ومنع اتساع نطاق الصراعات، والحفاظ على المصالح المشتركة، بما يجعل التنسيق العربي ضرورة تفرضها طبيعة التحديات الراهنة.
كما أن العلاقات بين الدول لا تقوم على المصالح الآنية وحدها، بل تتشكل أيضًا من خلال المواقف المتبادلة في أوقات الأزمات، ومدى الاستعداد للتعاون والتنسيق لمواجهة التحديات المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد مصر أهمية أمن دول الخليج يعكس إدراكًا لارتباط استقرار المنطقة بأمن دولها، ولضرورة الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون، بما يسهم في احتواء التوترات وتجنب اتساع دائرة الصراعات.
في النهاية.. ما بعد 2030 مسؤولية تبدأ اليوم
يمكن النظر إلى كلمة الرئيس السيسي باعتبارها طرحًا لعدد من القضايا المرتبطة بمستقبل الدولة المصرية، وفي مقدمتها الاستعداد لمرحلة ما بعد 2030، وإعداد كوادر جديدة، والحفاظ على قوة المؤسسات الوطنية، وتعزيز العلاقات مع دول الخليج.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الرسائل لن تتحدد بما تحمله من عبارات أو توجهات معلنة فحسب، وإنما بما ستشهده الفترة المقبلة من خطوات عملية لترجمتها إلى واقع ملموس.
فإعداد القيادات يحتاج إلى معايير واضحة وفرص عادلة، وبناء المؤسسات يتطلب تطوير أدائها وضمان استمراريتها، والاستعداد للمستقبل يستلزم قواعد مستقرة تحكم انتقال المسؤولية وفقًا للدستور والقانون، وتتيح المجال أمام الكفاءات القادرة على الإنجاز.
والرهان الأهم هو أن تمتلك مصر منظومة مستدامة لإعداد القيادات، لا تقتصر على مرحلة زمنية أو ترتبط بأشخاص بعينهم، بل تقوم على اكتشاف الكفاءات وتأهيلها، وتكافؤ الفرص أمامها، وربط تولي المسؤولية بالقدرة على الأداء وتحقيق النتائج.
فالدول التي تستعد للمستقبل لا تنتظر اقتراب الاستحقاقات حتى تبدأ التفكير فيمن سيتولى المسؤولية، بل تعمل مبكرًا على بناء الإنسان، وتطوير المؤسسات، وترسيخ القواعد التي تضمن الاستمرارية والاستقرار.
وهنا تبقى القضية الأهم التي تستحق المتابعة في ضوء رسائل الرئيس اليوم: كيف تتحول الدعوة إلى إعداد قيادات جديدة إلى منظومة مؤسسية واضحة ومستقرة، تضمن تكافؤ الفرص، وتحترم الدستور والقانون، وتفتح الطريق أمام الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، وتستمر في أداء دورها على المدى الطويل؟
فالمستقبل لا تصنعه الرسائل وحدها، بل تصنعه السياسات التي تترجمها إلى واقع، والمؤسسات التي تضمن استمراريتها، والكوادر التي تمتلك القدرة على تحويل الأهداف إلى إنجازات.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم