أسيوط: عماد صابر العمدة
في قلب حي غرب مدينة أسيوط، بمنطقة القيسارية، على بعد خطوات من ميدان المجذوب، ترتفع مئذنة خضراء تحرس مسجدًا ومقامًا عمره أكثر من ستة قرون. بُني هذا الصرح عام 766 هـ، وما زال حتى اليوم يحمل اسم رجلٍ لم يُخلق بعد حين وُضع أول حجر فيه — الإمام جلال الدين السيوطي، الذي سيولد بعده بأكثر من ثمانين عامًا، ليصبح المسجد فيما بعد مقامًا لذكراه ومزارًا لمحبيه.
يتميز المسجد بقبة معقودة فوق مكان الوضوء، تحملها ثمانية أعمدة رخامية دُوّنت على دوائرها آيات قرآنية، وبداخل هذه القبة يرقد مقام الشيخ الجليل. يصفه أهل أسيوط بأنه من أكثر مساجد المدينة تناسقًا وانسجامًا، حيث تجتمع فيه ضخامة البناء مع دقة الصنعة وتنوع الزخرف، فصار على مر الأجيال قبلة لأهالي المحافظة، ومحطة يقصدها الزائرون والباحثون عن الأثر والتاريخ معًا.
وُلد عبد الرحمن بن أبي بكر — جلال الدين السيوطي — سنة 849هـ في أسيوط نفسها، لأبٍ كان قاضي قضاتها. حفظ القرآن كاملًا وهو ابن ثمانية أعوام، وشبّ في بيتٍ عرف بالعلم والتقى. بدأ طلب العلم رسميًا سنة 864هـ، فدرس الفقه والنحو والفرائض، ولم يمض عامان حتى أُجيز بتدريس اللغة العربية وهو لم يتجاوز مطلع شبابه. وفي السابعة عشرة من عمره ألّف أول كتبه “شرح الاستعاذة والبسملة”، فأثنى عليه شيخه علم الدين البلقيني ثناءً فتح له أبواب المستقبل.
كان للسيوطي منهج خاص: يلازم شيخًا واحدًا حتى يتوفى، ثم ينتقل إلى غيره. وكان أعمق أثرًا فيه شيخه محيي الدين الكافيجي، الذي لازمه أربعة عشر عامًا كاملة، وأخذ منه معظم علمه. ولم يكتفِ بعلماء بلده، بل ارتحل إلى الفيوم ودمياط والمحلة، ثم إلى الشام واليمن والهند والمغرب وتشاد، وجاور بالحجاز عامًا كاملًا شرب فيه من ماء زمزم. من هذه الرحلات خرج فقيهًا بلغ رتبة سراج الدين البلقيني، ومحدّثًا بلغ رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني.
في عام 871هـ جلس للإفتاء، وفي العام التالي بدأ يُملي الحديث على طلابه. قال عن نفسه إنه رُزق التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع، إضافة إلى أصول الفقه والجدل والقراءات والطب — ولم يقترب فقط من الحساب والمنطق. من غزارة هذا العلم، تُنسب إليه نحو 600 مصنَّف في التفسير والفقه والحديث والأصول والنحو، وهي ثروة جعلت اسمه يبقى حيًّا في وجدان الناس قرونًا بعد رحيله سنة 911هـ في القاهرة.
لم يبقَ المسجد أثرًا صامتًا؛ ففي عام 2010 شكّل محافظ أسيوط آنذاك، اللواء نبيل العزبي، لجنة لتطويره، ودعمه بأجهزة صوتية جديدة تخدم روّاده. وحتى اليوم، يتوافد إلى ساحته آلاف من أتباع الطرق الصوفية كل شهر أغسطس احتفالًا بمولد الشيخ، وتُقام الليلة الختامية بحضور كبار مشايخ المدح النبوي وعلى رأسهم الشيخ ياسين التهامي وأبناؤه، إلى جانب جيل جديد من المنشدين، في مشهدٍ يجدد كل عام العهد بين أسيوط وابنها الذي حمل اسمها إلى الآفاق.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم