مسعود أبو ريشة: دليل الصحراء الذي قرأ الأرض كما يُقرأ الكتاب

كتبت: شيماء المهدي

يُعد مسعود عبد الله سليمان أبو ريشة، المعروف بلقب “أبو ريشة” أو “سفينة الصحراء الغربية”، أحد أبرز الشخصيات الأسطورية في تاريخ الصحراء الغربية المصرية. لم يكن مجرد دليل للصحراء، بل كان عالماً بأسرار رمالها، قادراً على قراءة الأرض كما يُقرأ الكتاب المفتوح.عُرف بكونه واحداً من أمهر دلالي القوافل وقاصّي الأثر الذين استعانت بهم الأجهزة الأمنية وحرس الحدود لعقود طويلة لتتبع المهربين والعابرين في دروب الصحراء المعقدة.

هو مسعود عبد الله سليمان أبو ريشة وقد ولد عام 1902 م إلا أن بعض المصادر قد أرجعت تاريخ مولده إلى عام 1914 وتوفي عام 2004 م. أطلقت عليه ألقاب عدة من أشهرها سفينة الصحراء الغربية، معجزة الصحراء، دليل الصحراء.

وُلد مسعود أبو ريشة في محافظة قنا بصعيد مصر، ثم انتقل مع والده إلى الواحات في الصحراء الغربية عام 1910، ومنذ نعومة أظفاره، تشرب فنون الصحراء من والده الذي كان خبيراً في قص وتتبع الأثر. استقر في منطقة مطروح والواحات وقضى زمنا طويلًا في واحة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد الحالية، حيث قضى حياته في دراسة تفاصيل البيئة الصحراوية القاسية، حتى أصبح جزءاً لا يتجزأ من تضاريسها.

تميز الحاج مسعود بقدرة فائقة على تحليل أدق التفاصيل التي قد لا تراها العين المجردة. لم يكن يكتفي بمعرفة أن شخصاً ما مر من هنا، بل كان يخبر السلطات والباحثين بمعلومات مذهلة تشمل:

• تحديد العدد: معرفة عدد الأشخاص أو الحيوانات التي مرت بدقة.

• تحديد الأعمار: الاستدلال على أعمار المارين من خلال عمق وشكل الأثر.

• الزمن: تحديد وقت المرور بدقة، سواء كان قبل ساعات أو أيام أو حتى شهور.

• الحالة: معرفة ما إذا كان الشخص يحمل ثقلاً، أو كان مريضاً، أو يركض.

الإنجازات الوطنية والإنسانية

لعب مسعود أبو ريشة أدواراً محورية في خدمة الدولة والمجتمع، ومن أبرز مجهوداته:

كان دليلًا لرجال التعمير حيث ساعد في اكتشاف مناطق حيوية ورسم خرائط طبيعية لمناطق مثل جبل أبو يبيان، صحراء القصبة، آبار كريم، وواحات سليم.

• لعب دورا محوريًا في مكافحة الجريمة، وكان الذراع اليمنى لقوات الأمن في تتبع المهربين (مخدرات ومواشي) عبر الحدود، ووصلت مجهوداته حتى حدود السودان. الطريف في الأمر أن المهربين قد لجأوا قديماً إلى حيل مثل (ربط صوف الخراف أو جلود الماعز حول أقدامهم، أو السير إلى الخلف لتمويه الاتجاه)، إلا أن “أبو ريشة” كان يكتشف الخدعة فوراً من خلال زاوية ميل طبعة القدم وضغط الأصابع أو الحوافر على حبات الرمل.

كما أنقذ المئات من التائهين في الصحراء الذين انقطعت بهم السبل، وكان يعرف أماكن آبار المياه المخفية ومسارات النجاة.

وفي مجال الطب الشعبي؛ اشتهر بقدرته على علاج لدغات العقارب والأفاعي (مثل الطريشة) باستخدام أعشاب وطرق صحراوية تقليدية. وكان مسعود يمتلك معرفة نادرة بأماكن نمو أعشاب صحراوية معينة يخلطها بطرق تقليدية لامتصاص السم قبل السريان في الجسد. وكان يستطيع معرفة أماكن وجود المياه الجوفية القريبة من السطح بمجرد شم الرمل أو رؤية نوع النباتات البرية النامية، وهو ما أنقذ مئات الأرواح من الهلاك عطشاً.

وتقديراً لمسيرته الحافلة، نال الحاج مسعود تكريمات عديدة من محافظي مطروح والوادي الجديد. وتخليداً لذكراه، تم وضع سيرته الذاتية وصوره وبعض مقتنياته في المتحف الإثنوجرافي لتراث الواحات، ليصبح نموذجاً ملهماً للأجيال القادمة في الصبر والذكاء والانتماء. ولهذا تم تخصيص ركناً كاملاً للحاج مسعود في المتحف الإثنوجرافي الذي أسسته الدكتورة علية حسن حسين. وقد جاء ذلك بعدما أدركت البعثات العلمية والأنثروبولوجية أن سيرة هذا الرجل لا بد أن تُخلد كجزء من الهوية والتراث الإنساني للصحراء المصرية، وليس فقط كمجرد دليل محلي.

هذا وتشير الوثائق التاريخية بالواحات إلى أن غالبية عائلة “أبو ريشة” أصبحوا من رواد هذا المجال، حيث نقل الحاج مسعود أسرار “المريّ” وقص الأثر لأبنائه وأحفاده ليظل اسم العائلة مرتبطاً بالأمان وحراسة الصحراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *