رغم المؤشرات الاقتصادية التي تبدو مطمئنة على الورق، ما زال السؤال نفسه يتردد يومياً داخل ملايين البيوت المصرية متى ينعكس تحسن الأرقام على تكلفة المعيشة وجودة الحياة؟
فبين احتياطي نقدي أجنبي تجاوز 53 مليار دولار، ومؤشرات إيجابية تتحدث عن تحسن النمو وزيادة التدفقات النقدية، تبقى أسعار الغذاء والسلع الأساسية هي المقياس الحقيقي لأي نجاح اقتصادي.
فالمواطن لا يقيس الأداء الاقتصادي بحجم الاحتياطيات أو تقارير المؤسسات الدولية، بل بقدرته على شراء احتياجات أسرته دون قلق أو ضغوط متزايدة.
الاقتصاد كما يراه المواطن
في متجر صغير بأحد شوارع مصر، تبدو صورة الاقتصاد أكثر وضوحاً مما تظهره الجداول والإحصاءات.
أسعار الزيت والسكر والألبان والبيض تتغير باستمرار، والزبائن يراجعون حساباتهم قبل كل عملية شراء هناك من استبدل بعض السلع ببدائل أقل تكلفة، وآخرون قلصوا الكميات التي اعتادوا شراءها، فيما أصبحت الأولويات اليومية تفرض نفسها على كل أسرة.
هذا المشهد البسيط يلخص حقيقة مهمة: المواطن لا يعيش داخل تقارير الاقتصاد الكلي، بل يعيش داخل فاتورة الكهرباء، ومصاريف المدارس، وتكاليف العلاج، ومتطلبات الحياة اليومية.
مؤشرات إيجابية.. ولكن
تشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى تحسن عدد من المؤشرات المهمة فالاحتياطي الأجنبي ارتفع إلى نحو 53 مليار دولار، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت أداءً قوياً، كما تظل السياحة والاستثمار من القطاعات التي يُعوّل عليها لدعم الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني بالضرورة انتهاء الضغوط المعيشية.
فمعدلات التضخم ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً، ما يعني أن الأسعار تواصل الارتفاع وإن كان بوتيرة أبطأ من السابق.
والمواطن لا يشعر بانخفاض الأسعار، بل يشعر فقط بأن سرعة ارتفاعها قد تراجعت قليلاً، وهو فرق جوهري بين الاستقرار الحقيقي واستمرار الضغوط.
وفي الوقت نفسه، تستمر أسعار الفائدة المرتفعة في فرض تحديات إضافية على القطاع الخاص. فتكلفة الاقتراض المرتفعة تجعل التوسع والإنتاج أكثر صعوبة بالنسبة للمصانع والمشروعات الصغيرة، وهو ما ينعكس في النهاية على الاستثمار وفرص العمل.
العالم يضغط.. والمواطن يدفع الثمن
ما تواجهه مصر ليس معزولاً عن المشهد العالمي فخلال السنوات الأخيرة شهد العالم سلسلة من الأزمات المتلاحقة، بدءاً من تداعيات الجائحة العالمية، مروراً بالحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
كل هذه التطورات تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الاقتصاد المصري فارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف النقل والإنتاج، واضطراب حركة الشحن يرفع أسعار الواردات، فيما تؤدي الفوائد العالمية المرتفعة إلى زيادة تكلفة التمويل والاستثمار.
ولهذا تجد الدول النامية نفسها أمام معادلة صعبة الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي من جهة، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين من جهة أخرى.
بائع التجزئة.. المؤشر الأكثر صدقاً
ربما يكون بائع التجزئة في الحي الشعبي أحد أكثر من يلمس حقيقة الوضع الاقتصادي فهو يلاحظ يومياً تغير سلوك المستهلكين، ويرى كيف أصبحت قرارات الشراء أكثر حذراً يعرف من خلال تعاملاته اليومية أن كثيراً من الأسر باتت تشتري الضروريات فقط، وأن الأولوية أصبحت لتأمين الاحتياجات الأساسية قبل أي إنفاق آخر.
هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تظهر في التقارير الرسمية، لكنها تعكس الواقع المعيشي الذي يواجهه المواطن يومياً.
ورغم ذلك، لا تزال روح التكافل المجتمعي حاضرة بقوة فهناك من يؤجل السداد لجاره، ومن يعيد ترتيب أولوياته لتوفير احتياجات أسرته، ومن يعمل ساعات إضافية لتعويض ارتفاع تكاليف الحياة.
المشكلة أعمق من الغلاء
التركيز على الأسعار وحدها قد يكون مضللاً فالغلاء ليس المشكلة الأساسية بقدر ما هو نتيجة لتحديات أعمق تتعلق بالإنتاج والاستثمار والتصدير.
الحل المستدام يبدأ من زيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع القاعدة الصناعية، وتحسين كفاءة الزراعة، وتعزيز الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات في السلع التي يمكن إنتاجها محلياً.
فالدولار الذي يدخل الاقتصاد لا يحقق أثره الكامل إلا عندما يتحول إلى مصنع يعمل، أو مزرعة تنتج، أو مشروع يوفر فرص عمل، أو شركة تصدر منتجاتها إلى الخارج.
فرصة قائمة تحتاج إلى استثمار
رغم التحديات، ما زالت مصر تمتلك العديد من عناصر القوة فالسوق المحلية الكبيرة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، وقطاع السياحة، والطاقة المتجددة، والموارد البشرية الشابة، كلها عوامل تمنح الاقتصاد فرصاً حقيقية للنمو.
لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة يتطلب التركيز على مجموعة من الأولويات الأساسية:
دعم الإنتاج المحلي وتوفير التمويل الميسر للقطاعات المنتجة.
توجيه الحماية الاجتماعية بكفاءة للفئات الأكثر تأثراً بالتضخم.
تعزيز دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركاً رئيسياً للتشغيل.
الاستثمار في مهارات الشباب والاقتصاد الرقمي.
ربط السياسات الاقتصادية بشكل مباشر بتحسين مستوى المعيشة وخلق فرص العمل.
ما الذي يجب مراقبته خلال الفترة المقبلة؟
الأشهر القادمة ستكون مهمة في تحديد اتجاه الاقتصاد المصري فإذا تراجعت التوترات الإقليمية، وتحسنت حركة التجارة العالمية، وتعافت إيرادات السياحة وقناة السويس، فقد تتراجع الضغوط التضخمية بصورة أكبر.
أما إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية وارتفعت تكاليف الطاقة والشحن مجدداً، فقد تبقى التحديات قائمة لفترة أطول.
لذلك، لا يكفي متابعة المؤشرات الكلية فقط، بل يجب مراقبة أثرها المباشر على حياة المواطنين من خلال أسعار الغذاء، ومستويات الدخل، وفرص العمل، وحركة الإنتاج والاستثمار.
الإنسان أولاً
في نهاية المطاف، لا يسأل المواطن عن حجم الاحتياطي الأجنبي أو توقعات النمو بقدر ما يسأل:
هل أصبح بإمكاني تلبية احتياجات أسرتي بسهولة أكبر؟ هل أستطيع الادخار للمستقبل؟ هل يجد أبنائي فرص عمل أفضل؟ وهل سيكون الغد أقل ضغطاً من اليوم؟
هنا يكمن المعنى الحقيقي لأي نجاح اقتصادي.
فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من احتياطيات أو بما تحققه من مؤشرات مالية، بل بمدى انعكاس ذلك على حياة الناس اليومية.
وعندما يشعر المواطن بأن دخله أصبح أكثر قدرة على مواجهة متطلبات الحياة، وأن فرص العمل تتوسع، وأن الضغوط المعيشية تتراجع، عندها فقط تتحول الأرقام الإيجابية من مؤشرات على الورق إلى نجاح اقتصادي حقيقي يلمسه الجميع.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم