«مصيدة إلكترونية».. كيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى سوق مفتوحة للنصب والابتزاز؟

تحقيق: حشمت عبد الحارث

 

لم تعد جرائم النصب والابتزاز الإلكتروني مجرد حوادث فردية أو وقائع عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه المجتمع المصري، بعدما نجح المحتالون في استغلال التطور التكنولوجي وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى ضحاياهم داخل منازلهم، دون الحاجة إلى سلاح أو مواجهة مباشرة.

ففي الماضي كان اللص يترصد ضحيته في الشارع، أما اليوم فأصبح يكفي هاتف ذكي وحساب مزيف ورسالة تحمل كلمات مطمئنة أو وعدًا بربح سريع، حتى تبدأ رحلة الاحتيال التي تنتهي في كثير من الأحيان بخسارة الأموال، أو الوقوع تحت وطأة الابتزاز والتهديد، وربما تدمير حياة أسر كاملة.

في دقائق معدودة، قد يتلقى شخص رسالة من صفحة تبدو رسمية تعرض وظيفة براتب مغرٍ، أو رابطًا يعده بأرباح ضخمة من الاستثمار الإلكتروني، أو طلب صداقة من حساب يحمل صورة فتاة جميلة، لتبدأ بعدها رحلة من الخداع تنتهي بخسارة الأموال أو الوقوع تحت تهديد نشر صور وبيانات خاصة.

_انتحال صفة ومنصات وهمية:

كشفت الوقائع التي شهدتها مصر خلال الأعوام الأخيرة أن جرائم النصب الإلكتروني لم تعد تقتصر على الاستيلاء على الأموال، بل تطورت لتشمل انتحال صفات شخصيات عامة ومسؤولين، وإنشاء منصات استثمار وهمية، واختراق الحسابات الشخصية، وابتزاز الضحايا بصور أو مقاطع خاصة، فضلًا عن الإعلانات المزيفة وروابط الدفع الإلكتروني التي تستهدف سرقة البيانات البنكية.

_استهداف جميع الفئات العمرية:

ولم تعد هذه الجرائم تقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، بل امتدت لتطال الشباب وكبار السن والطلاب وأصحاب الأعمال، مستفيدة من الاعتماد المتزايد على وسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية والتعاملات عبر الإنترنت، في وقت يواصل فيه المحتالون تطوير أساليبهم للهروب من الملاحقة الأمنية.

_من الاستثمار الوهمي إلى الابتزاز:

أظهرت وقائع عديدة في عدة محافظات، أن المحتالين يعتمدون على سيناريوهات متكررة، تبدأ بإنشاء صفحات أو حسابات مزيفة تحمل أسماء شركات أو جهات معروفة، ثم إيهام الضحايا بوجود فرص استثمار تحقق أرباحًا يومية أو وظائف سهلة أو بيع منتجات بأسعار مخفضة، وما إن يحول الضحية الأموال حتى يختفي الجناة تمامًا.

وفي نوع آخر من الجرائم، يعتمد المبتزون على اختراق الحسابات الشخصية أو استدراج الضحايا إلى محادثات خاصة، ثم استخدام الصور أو مقاطع الفيديو في تهديد أصحابها مقابل مبالغ مالية، مستغلين خوفهم من الفضيحة أو المساس بسمعتهم.

_وقائع تكشف حجم الخطر:

خلال الأشهر الماضية، نجحت أجهزة الأمن بوزارة الداخلية في ضبط العديد من التشكيلات العصابية المتخصصة في النصب عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي إحدى القضايا، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على تشكيل عصابي تخصص في إيهام المواطنين بتحقيق أرباح مالية مقابل تنفيذ مهام تسويقية عبر موقع إلكتروني مزيف، قبل تجميد أموال الضحايا وتحويلها إلى عملات رقمية، وضُبط بحوزة المتهمين عشرات الهواتف المحمولة، ومئات شرائح الاتصال، ومحافظ للعملات الرقمية استخدمت في نشاطهم الإجرامي.

وفي واقعة أخرى، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط تشكيل عصابي بمحافظة الجيزة أوهم المواطنين بقدرته على توفير تذاكر سفر وتأشيرات لرحلات دينية “حج وعمرة” بأسعار مخفضة، واستولى على أموال عشرات الضحايا عبر وسائل الدفع الإلكتروني، قبل أن تكشف التحريات ارتكاب المتهمين أكثر من 50 واقعة احتيال بالطريقة نفسها.

كما كشفت قضية أخرى بالقاهرة، عن متهم استولى على أرصدة المواطنين في تطبيقات التمويل والتقسيط الإلكتروني، بعدما استدرجهم للحصول على بياناتهم السرية عبر مواقع التواصل، وثبت ارتكابه عشرات الوقائع قبل ضبطه.

_لماذا ينجح المحتالون؟

يرى متخصصون في أمن المعلومات أن العامل النفسي يمثل السلاح الأخطر في يد المحتالين؛ فهم يستغلون الطمع في الربح السريع، أو الحاجة إلى العمل، أو الخوف من الفضيحة، أو الثقة الزائدة في الصفحات المزيفة، فيدفعون الضحية إلى تسليم بياناتها أو أموالها بإرادتها.

كما ساهم استخدام تطبيقات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية والعملات المشفرة في تعقيد عمليات تتبع الأموال، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تطوير وسائلها الفنية لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم؛

ورغم التطور الكبير في وسائل الاحتيال، فإن أجهزة وزارة الداخلية، ممثلة في الإدارات المختصة بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، نجحت في كشف العديد من تلك الوقائع، وتتبع مرتكبيها داخل مصر وخارجها، مستخدمة أحدث الوسائل التقنية لتحديد أماكنهم وضبطهم وإحالتهم إلى جهات التحقيق.

_خبراء في أمن المعلومات: “معركة وعي”

أكد الخبراء بأمن المعلومات، أن المواجهة الحقيقية تبدأ من وعي المستخدم نفسه؛ فلا ينبغي مشاركة البيانات البنكية أو كلمات المرور أو الأكواد السرية مع أحد، مع ضرورة التأكد من هوية الصفحات والأشخاص، وعدم الانسياق خلف الوعود الوهمية، والإبلاغ الفوري عن أي محاولة نصب أو ابتزاز.

_عقوبة النصب والابتزاز الإلكتروني:

جرائم الابتزاز هي من الجرائم التي بدات تظهر على السطح ولا سيما بعد دخول التكنولوجيا والعالم الافتراضي حياه اغلب الناس فقد يستغل المبتز الضحية وذلك بغرض الحصول علي منفعة ماديه او جنسيه او مجرد الاضرار بشخص المجني عليه.

أكد المستشار أيمن محفوظ، أن جرائم النصب والابتزاز طبقا لنص المادتين 326 و327 من قانون العقوبات والتي تجرم

الحصول على اي منفعة من النقود أو منفعة جنسيه او منفعة آخري بعقوبة تصل الي السجن المشدد لمدة 15سنة و يعاقب بالحبس في حاله إذا لم يقترن التهديد بطلب ما.

وأوضح “محفوظ” بأن يعاقب الشروع في ذلك بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين، كما يوجه من المتهم اتهامات تتعلق بإساءة استعمال الإنترنت، وهد القيم الأسرية وربط محتوى معلوماتي بأعمال منافية للآداب لشخص الضحية وإنشاء حساب بقصد تثير ارتكاب جريمة، وتبقى نص المادة 25 و 26 و 27 من قانون مكافحه الجرائم المعلوماتية رقم 175 لسنه 2018 وجريمة تعمد الإزعاج طبق نص المادة 76 من قانون الاتصالات المصري، أن الجريمة بكافة الأحوال إذا كانت الضحية هي من سلمت له تلك المقاطع أو الصور التي يتم ابتزازها بها أو ان الجاني حصل على تلك الفيديوهات بطريقه غير بشويه في كل الأحوال تنحق الجريمة حتى لو كانت الضحية قد أعطت تلك المقاطع بنفسها إلى الجانب الجريمة سواء كان المحتوى المعلوماتي للضحية صحيح أو غير صحيح فتسليم الضحية تلك الفيديوهات لا يقدح في ثبوت الجريمة على الشخص الجاني ويستلزم العقوبة القانونية حسب الاحوال.

وأشار أيمن محفوظ “المحام” أن جريمة النصب تختلف عن الابتزاز لأنها تعتمد من الجاني علي استخدام الطرق الاحتيالية والكذب والمظاهر التي تخدع الضحية والعقوبة تصل إلي 3 سنوات طبقا لنص المادة 336 عقوبات وفي جميع الاحوال يحق للمضرور من الجريمة أن يطالب بالتعويض الجابر للأضرار المادية والأدبية التي لحقت به من افعال الجاني طبقا لنص المادة 163 من التقنين المدني المصري

_معركة وعي:

واخيرًا؛ لم تعد جرائم النصب والابتزاز الإلكتروني مجرد حوادث عابرة، بل أصبحت أحد أخطر التحديات التي يفرضها العصر الرقمي، بينما يطور المجرمون أدواتهم وأساليبهم، يبقى الوعي المجتمعي، إلى جانب الجهود الأمنية والقانونية، هو خط الدفاع الأول لحماية المواطنين من الوقوع في فخ جريمة تبدأ برسالة على الهاتف، وقد تنتهي بخسارة المال أو انتهاك الخصوصية أو تدمير المستقبل.

اترك رد