مفتي الجمهورية يحذر: الشائعات سلاح العصر لتدمير الوعي والهوية

كتب:مصطفى علي

في زمنٍ تتقاطع فيه الحقائق مع الأكاذيب، وتختلط فيه الأصوات في فضاءٍ رقمي يعج بالمعلومات المتدفقة، وقف فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء، مخاطبًا طلاب جامعة دمياط خلال ندوة حملت عنوان «بين الحقيقة والبهتان رؤية علمية لمواجهة الادعاءات الكاذبة»، ليُطلق صرخة وعيٍ في وجه فوضى الشائعات التي باتت تهدد العقول أكثر مما تهدد الحروبُ الأجساد.
وأكد فضيلته أن العالم اليوم يعيش حربًا من نوعٍ آخر، لا تُراق فيها الدماء، لكنها تستهدف العقول والهوية، وتعبث باللغة والتاريخ والحضارة، في محاولة لطمس الثوابت وزرع الشك واليأس في النفوس.

حرب تستهدف العقل لا الجسد

قال مفتي الجمهورية إن هذه الحرب الفكرية المعاصرة أخطر من الحروب المادية التي اعتادها العالم، فهي حرب تستنزف القيم وتُبدد الوعي، وتعمل على تشويه الصورة الحقيقية للدين والوطن والمجتمع.
وأشار فضيلته إلى أن جامعة دمياط أحسنت صنعًا حين اختارت هذا الموضوع ليكون محورًا للنقاش، لأن المعركة اليوم لم تعد بالسلاح والرصاص، بل بالكلمة المضللة والصورة المفبركة والمعلومة المشوهة.
وضرب فضيلته مثالًا بالحروب التي يشهدها العالم اليوم، وخاصة ما يحدث في غزة، مؤكدًا أن الدماء التي تُراق هناك تُذكرنا بأن من يشنون الحروب المادية هم أنفسهم من يديرون حروب الوعي التي لا تُرى آثارها إلا حين تنهار العقول وتضيع الهوية.

الشائعات.. رصاصة تُصيب الوعي

وصف المفتي الشائعات بأنها أخطر سلاحٍ يهدد استقرار المجتمعات، لأنها تزعزع الثقة بالنفس، وتُضعف الانتماء الوطني، وتشوه الحقائق الثابتة.
وأكد أن أحدًا في هذا العصر لم يَسلم من أثر الشائعات المضللة، وأن خطر الكلمة المزيّفة لا يقل عن خطر الرصاصة القاتلة، فهي تقتل القيم والمعاني قبل أن تصيب الأجساد.
وبيّن أن الشائعة ليست سوى فكرة أو رأي يُطلق دون ضابط من دين أو خلق أو قانون، ويتداولها الناس بلا وعي ولا تحقق، فتتحول إلى أداة هدمٍ للمجتمعات، مشيرًا إلى أن الشائعات كانت سببًا في انهيار أممٍ ودولٍ بلغت أوج التقدم والحضارة.

الترند.. وسيلة ترويجٍ بلا وعي

توقف فضيلة المفتي عند ظاهرة السعي وراء ما يُعرف بـ“الترند”، واعتبرها من أخطر أسباب انتشار الشائعات، إذ يسعى بعض الناس إلى الشهرة السريعة عبر نشر الأكاذيب والمعلومات المضللة، دون أدنى وعي أو إحساس بالمسؤولية.
واستشهد المفتي بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وبحديث النبي ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، ليؤكد أن الكلمة أمانة، وأن نقل الأخبار دون تحققٍ جريمة أخلاقية ودينية.

وشدد مفتي الجمهورية على أن غياب الوازع الديني هو السبب الجوهري وراء الانخراط في ترويج الشائعات، موضحًا أن الدين يغرس في النفس الرقابة الذاتية ويمنحها الوعي والإدراك، فإذا غاب هذا الضابط، انفتح الباب على مصراعيه أمام الانحراف الفكري والأخلاقي.
وضرب فضيلته أمثلةً من الواقع، فقال: “كثير من الناس قد يختلي بنفسه أمام الشاشات فيتجرأ على ما حرم الله، ناسيًا أن الله يراه وإن غابت أعين الناس”، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر».

أثر الشائعات على ثوابت المجتمع

أوضح المفتي أن الشائعات لا تُهدد الأفراد فقط، بل تمس الكليات الخمس التي جاء الإسلام لحفظها: الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال، وهي الركائز ذاتها التي يسعى الوطن لحمايتها وصيانتها.
وأشار إلى أن الشائعات كانت وراء انهيار بيوتٍ وهدم مجتمعاتٍ وتقويض حضارات، مستشهدًا بحادثة الإفك التي طالت بيت النبي ﷺ، وكيف كانت سببًا في فتنةٍ هزت المدينة المنورة بأكملها.
ودعا إلى الستر والتمسك بالمروءة حتى إن كان الخبر صحيحًا، مستشهدًا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «هلا سترته بثوبك» لمن أراد إشاعة ذنب غيره.

تحدث مفتي الجمهورية عن أثر التكنولوجيا الحديثة في تضخيم ظاهرة الشائعات، موضحًا أن سوء استخدام الوسائل التقنية من أبرز أسباب انتشار الأكاذيب، ودعا إلى توظيفها في خدمة الوعي والمعرفة والبحث العلمي، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقوله سبحانه: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».
وأكد أن الرقابة الذاتية هي الحصن الحقيقي في مواجهة زيف الشائعات، وأن من يخشى الله في قوله وفعله يسهم في بناء وطنه وصون مجتمعه من الانحراف.

الحرية المسؤولة والضوابط الأخلاقية

تناول المفتي قضية الحرية في سياقها الصحيح، محذرًا من الدعوات التي تُسوّق للانحراف تحت ستار “الحرية الشخصية”، مثل الدعوة إلى الشذوذ أو الإلحاد، مؤكدًا أن تلك الأفكار تُمثل خطرًا على القيم والأخلاق والمجتمع.
وقال إن العلاقة بين الفتى والفتاة في الجامعة ليست علاقة انفتاحٍ مطلق، بل علاقة علمٍ وزمالةٍ محكومة بالشرع والعرف، مضيفًا أن الالتزام بهذه الضوابط هو عنوان الرقي واحترام الذات.
وبيّن أن الحرية في الإسلام ليست فوضى، بل هي حرية منضبطة تُنقي السلوك ولا تلغيه، وتمنح الإنسان حق الاختيار في إطار القيم والمقاصد الشرعية.

عن مصطفى علي

شاهد أيضاً

الزراعة التعاقدية

الزراعة تكثف تواجدها الميداني بالمحافظات لدعم منظومة الزراعة التعاقدية وصغار المزارعين

كتب- مصطفى كمال نفذ مركز الزراعات التعاقدية، سلسلة من اللقاءات وورش العمل المكثفة في عدد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *