من تحصينات إصلاح الذرية.. الدكتور مختار مرزوق يكشف سر دعاء قرآني لصلاح الأبناء

في حياة كل أب وأم أمنية لا تكاد تفارق القلب: أن يرى أبناءه صالحين، مستقيمين، نافعين لأنفسهم وأسرهم ومجتمعهم، وأن يطمئن إلى أن ما غرسه فيهم من قيم وأخلاق لن يضيع. ومن هنا يأتي الدعاء باعتباره أحد أهم أبواب اللجوء إلى الله تعالى، ومن أجمل الأدعية القرآنية التي يُستأنس بها في هذا الباب قوله تعالى في سورة الأحقاف:

«رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

ويشير الدكتور مختار مرزوق عبد الرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط، إلى أهمية الاستعانة بهذا الدعاء القرآني في طلب صلاح الذرية، موضحًا أن الدعاء لا يقتصر على طلب صلاح الأبناء فقط، وإنما يجمع بين شكر النعمة والعمل الصالح والتوبة والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى.

دعاء يجمع بين صلاح الوالد وصلاح الأبناء

وأوضح الدكتور مختار مرزوق أن قوله تعالى: «رَبِّ أَوْزِعْنِي» يتضمن سؤال الله تعالى أن يلهم العبد ويوفقه إلى ما فيه الخير، ثم يأتي قوله: «أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ» ليؤكد أن شكر النعم من أجل الأعمال التي ينبغي للمسلم المحافظة عليها.

ثم ينتقل الدعاء إلى طلب التوفيق للعمل الصالح في قوله تعالى: «وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ»، فصلاح الذرية لا ينفصل عن صلاح الوالدين وحرصهما على الطاعة والعمل الصالح، ليأتي بعد ذلك المقصد الذي تتعلق به قلوب الآباء والأمهات: «وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي».

وهنا يظهر عظيم مكانة صلاح الأبناء في حياة المسلم، إذ لا تتوقف ثماره عند حياة الوالدين، بل تمتد آثارها إلى ما بعد الوفاة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم.

ويؤكد هذا المعنى أن الدعاء لصلاح الذرية ليس مجرد طلب دنيوي، وإنما هو رجاء في أن تكون الأسرة امتدادًا للطاعة والخير، وأن يكون الأبناء سببًا في استمرار الأجر والدعاء للوالدين.

«إني تبت إليك».. التوبة باب من أبواب الرجاء

ولا يقف الدعاء عند طلب صلاح الذرية، بل يختم بقوله تعالى: «إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، بما يحمله ذلك من إعلان التوبة والرجوع إلى الله تعالى، والافتقار إليه في كل أمر.

وأشار الدكتور مختار مرزوق إلى أن من المناسب للمسلم أن يكثر من الدعاء بهذه الآية، وأن يستحضر معانيها، فهي تجمع بين شكر الله، والعمل الصالح، وطلب صلاح الذرية، والتوبة والاستسلام لله سبحانه وتعالى.

وقد ورد عن مالك بن مغول أن أبا معشر شكا ابنه إلى طلحة بن مصرف، فأرشده إلى الاستعانة بهذه الآية، وهو ما أورده السيوطي في الدر المنثور.

كما أن المعنى العملي للدعاء يؤكد أن صلاح الأبناء لا يتحقق بالدعاء وحده مع إهمال التربية، وإنما يجتمع فيه الدعاء مع القدوة الحسنة، والمتابعة، والتعليم، وغرس القيم، والرحمة، والحوار، والصبر.

وفي ختام حديثه، يوجّه الدكتور مختار مرزوق رسالة إلى الآباء والأمهات بألا يغفلوا عن الدعاء لأبنائهم، وأن يجعلوا من قوله تعالى «وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي» دعاءً حاضرًا في حياتهم، مع الأخذ بأسباب التربية والإصلاح، سائلين الله تعالى أن يرزقهم وإياهم القبول والتوفيق لما يحبه ويرضاه.

احمد فؤاد عثمان محرر أخبار [ الملف الديني ] { وزارة الأوقاف و دار الإفتاء المصرية }

اترك رد