في عصر السرعة، لم يعد انتشار الخبر يحتاج إلى دقائق طويلة، فمعلومة واحدة غير دقيقة يمكن أن تنتقل من هاتف إلى آخر، ومن صفحة إلى أخرى، حتى تتحول إلى حديث عام يصعب السيطرة عليه. وبينما أصبح السبق هدفًا تسعى إليه صفحات ومواقع وحسابات عديدة، تظل الحقيقة هي الاختبار الأصعب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأخبار حساسة مثل الوفاة والحوادث والاتهامات.
الخبر الكاذب.. من منشور عابر إلى أزمة حقيقية
المشكلة لا تكمن فقط في أن المعلومة قد تكون غير صحيحة، وإنما في النتائج التي تترتب على تداولها قبل التحقق منها. فقد يتسبب خبر كاذب في إثارة الذعر بين أسرة، أو الإضرار بسمعة شخص، أو خلق حالة من البلبلة، بينما يصبح تصحيح المعلومة لاحقًا أقل تأثيرًا من سرعة انتشارها الأولى.
وتزداد خطورة الأمر عندما يجري تداول الخبر بصيغة جازمة، دون الإشارة إلى مصدر واضح أو التنبيه إلى أن المعلومات ما زالت قيد التحقق، وهو ما يجعل المتلقي يتعامل مع المعلومة باعتبارها حقيقة مكتملة.
أخبار الوفاة.. السطر الذي قد يوجع أسرة كاملة
تعد أخبار الوفاة من أكثر أنواع الأخبار حساسية، لأن الخطأ فيها لا يتعلق بمعلومة عابرة، وإنما بمشاعر أسرة وأصدقاء وأشخاص تربطهم علاقة مباشرة بالشخص المذكور.
وفي مثل هذه الحالات، لا يمكن اعتبار حذف المنشور أو نشر نفي لاحق حلًا كاملًا للمشكلة، بعدما يكون الخبر قد انتشر بالفعل ووصل إلى دوائر واسعة من المتابعين.
واقعة خبر وفاة العمدة محمد تاج
ومن الوقائع التي تعكس خطورة التسرع في نشر الأخبار الحساسة، ما حدث في واقعة قديمة تم خلالها تداول منشور يعلن وفاة العمدة محمد تاج، عمدة جزيرة الخزندارية، قبل التأكد من صحة المعلومة.
وفي أعقاب تداول الخبر، نشر الدكتور سيد عاطف منشورًا انتقد خلاله ما وصفه بالتسرع في نشر خبر الوفاة دون التأكد من مصدر موثوق، مشيرًا إلى أن مثل هذه الأخبار يمكن أن تتسبب في حالة من الحزن والقلق داخل الأسرة، قبل أن يتبين لاحقًا أن الخبر غير صحيح.
وركز المنشور على فكرة أساسية، وهي أن السبق الحقيقي لا يتمثل في أن تكون أول من يعلن المعلومة، وإنما في أن تكون أول من يتأكد من صحتها، خاصة عندما يكون الأمر متعلقًا بحياة شخص أو وفاته.
لماذا تنتشر الأخبار غير الموثوقة بهذه السرعة؟
تساعد مواقع التواصل الاجتماعي على انتشار المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات والأفراد على التحقق منها، كما أن بعض العناوين المثيرة والعبارات الصادمة تدفع المستخدمين إلى إعادة النشر قبل قراءة التفاصيل أو البحث عن مصدر الخبر.
وفي أحيان كثيرة، يبدأ الخبر من منشور شخصي، ثم تتناقله صفحات أخرى باعتباره حقيقة، وبعد عدة عمليات إعادة نشر يصعب الوصول إلى مصدره الأول أو معرفة مدى دقة المعلومات الواردة فيه.
التصحيح لا يمحو أثر الشائعة
حتى عندما يظهر النفي بعد ساعات أو أيام، تكون المعلومة الخاطئة قد حققت انتشارًا واسعًا، بينما لا يصل التصحيح بالضرورة إلى جميع من شاهدوا المنشور الأصلي.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، وهي أن بعض المتابعين يتذكرون عنوان الخبر أكثر مما يتذكرون نفيه، ما يجعل أثر الشائعة مستمرًا حتى بعد التأكد من عدم صحتها.
التحقق.. الخطوة التي تسبق النشر
المبدأ الأهم في التعامل مع الأخبار هو عدم الاكتفاء بمصدر واحد غير موثوق، خصوصًا في الأخبار الحساسة. ويجب البحث عن مصدر أصلي أو جهة مختصة، ومراجعة التفاصيل قبل نشرها، مع التمييز بوضوح بين الخبر المؤكد والمعلومة المتداولة التي لم يتم التحقق منها.
كما أن استخدام عبارات مثل «وفقًا لمعلومات متداولة» لا يمنح المعلومة غير المؤكدة صفة الحقيقة، ولذلك يجب أن يصاحبها توضيح صريح بأنها لم تُثبت رسميًا.
بين السبق والمسؤولية
السرعة عنصر مهم في العمل الصحفي، لكنها لا تسبق الدقة. فالخبر الذي ينشر بعد دقيقة من وقوع الحدث لكنه يحمل معلومة خاطئة قد يكون أكثر ضررًا من خبر نُشر بعد دقائق إضافية، لكنه استند إلى مصدر موثوق وتم التحقق من تفاصيله.
وفي النهاية، تبقى قيمة الخبر في صحته، وليس في سرعة نشره، لأن الخطأ في بعض الأخبار لا يمكن إصلاح آثاره بمجرد حذف المنشور أو نشر اعتذار، خاصة عندما تكون المعلومة قد مست حياة أشخاص وسمعتهم ومشاعر أسرهم.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم