من سوتشي إلى موسكو.. محطات المشاركة المصرية في القمم الروسية الأفريقية ودور القاهرة في تعزيز الشراكة

كتب : أحمد حمدالله

شهدت القمم الروسية الأفريقية، منذ انطلاق نسختها الأولى في مدينة سوتشي الروسية عام 2019، تطوراً ملحوظاً في مسار العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية، وسط مساعٍ لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي، وتوسيع مجالات الشراكة بين الجانبين.

وبرز الدور المصري في هذه القمم باعتباره أحد محاور تعزيز التعاون الروسي الأفريقي، لا سيما في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تجمع القاهرة وموسكو، والجهود المصرية الرامية إلى دعم التنمية في القارة الأفريقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دولها.

 

ومع انعقاد القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، تجدد الاهتمام بمسار هذه القمم، ومحطاتها الرئيسية، وما حققته من نتائج، إلى جانب الفرص والتحديات المرتبطة بتحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات تعاون ملموسة.

 

قمة سوتشي 2019.. الانطلاقة الأولى للشراكة

استضافت مدينة سوتشي الروسية القمة الروسية الأفريقية الأولى يومي 23 و24 أكتوبر 2019، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة الاتحاد الأفريقي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

 

ومثلت القمة محطة مهمة في مسار العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية، إذ أتاحت فرصة لبحث آفاق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، إلى جانب مناقشة القضايا السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك.

 

كما عكست مشاركة مصر أهمية الدور الذي تضطلع به القاهرة في دعم التعاون بين روسيا وأفريقيا، والاستفادة من العلاقات الدولية لتعزيز فرص التنمية والتكامل داخل القارة.

 

قمة سان بطرسبرج 2023.. تعزيز التعاون ومواجهة التحديات

انعقدت القمة الروسية الأفريقية الثانية في مدينة سان بطرسبرج يومي 27 و28 يوليو 2023، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في إطار بحث العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون بين البلدين.

وشملت الملفات المطروحة تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، والتعاون في مجالات الطاقة والأمن الغذائي والتنمية، إلى جانب بحث القضايا الإقليمية والدولية المؤثرة في مصالح الدول الأفريقية.

 

كما حظيت الأزمة الروسية الأوكرانية باهتمام خلال اللقاءات والمباحثات، في ظل تحركات أفريقية هدفت إلى تشجيع الحوار والبحث عن تسوية سياسية للأزمة.

 

وعكست القمة أهمية استمرار التشاور بين روسيا والدول الأفريقية بشأن القضايا المشتركة، مع تأكيد الحاجة إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي، بما يحقق مصالح الأطراف المشاركة.

 

قمة موسكو 2026.. مرحلة جديدة من التعاون الروسي الأفريقي

استضافت العاصمة الروسية موسكو القمة الروسية الأفريقية الثالثة يومي 28 و29 أكتوبر 2026، بمشاركة وفود من الدول الأفريقية، في إطار مواصلة الحوار السياسي وتعزيز التعاون بين الجانبين.

وشارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة على رأس الوفد المصري، وألقى كلمة مصر خلال الجلسة العامة، تناول فيها رؤية القاهرة لتعزيز الشراكة الروسية الأفريقية، ودعم جهود التنمية والتكامل الاقتصادي داخل القارة.

 

وأكدت الرؤية المصرية أهمية تطوير الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، وزيادة حجم التجارة البينية الأفريقية، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والربط الكهربائي، والأمن المائي والغذائي، والتنمية الزراعية.

 

كما شملت المحاور المطروحة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجالات تتيح فرصًا جديدة للتنمية الاقتصادية، ورفع كفاءة الخدمات، ودعم التحول الرقمي في الدول الأفريقية.

 

وعكست هذه الملفات توجهًا نحو توسيع نطاق التعاون من الإطار السياسي إلى مجالات عملية ترتبط باحتياجات الدول الأفريقية وأولوياتها التنموية.

 

مخرجات القمة.. من التفاهمات إلى التنفيذ

شهدت القمة الروسية الأفريقية الثالثة إعلان عدد من المخرجات، من بينها الإعلان الختامي للقمة، وإعلان بشأن التعاون في الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب خطة عمل منتدى الشراكة الروسية الأفريقية للفترة من 2027 إلى 2029.

وفي 28 أكتوبر 2026، وقّعت مفوضية الاتحاد الأفريقي والجانب الروسي خطة عمل مشتركة للفترة 2027–2029، تضمنت مجالات متعددة للتعاون، من بينها السلام والأمن، والطاقة، والزراعة، والتكنولوجيا، والتعليم، والتجارة والاستثمار.

 

وتعكس هذه المخرجات توجهًا نحو وضع أطر عملية لتنظيم التعاون خلال السنوات المقبلة، غير أن نجاحها سيظل مرتبطًا بمدى تنفيذ ما تتضمنه من برامج ومبادرات، وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة للدول الأفريقية.

 

العلاقات المصرية الروسية.. مشروعات استراتيجية وآفاق أوسع

تستند العلاقات المصرية الروسية إلى تعاون ممتد يشمل عددًا من المجالات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة، والصناعة، والتجارة، والاستثمار.

ويبرز مشروع محطة الضبعة النووية ضمن المشروعات الرئيسية للتعاون بين البلدين في مجال الطاقة، إلى جانب المنطقة الصناعية الروسية المزمع إقامتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما تتيحه من فرص لتوطين الصناعة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز حركة التجارة.

 

وتكتسب هذه المشروعات أهمية إضافية في ضوء موقع مصر الجغرافي، ودورها في ربط الأسواق، وما توفره المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من إمكانات لدعم الأنشطة الصناعية واللوجستية.

 

كما تمثل العلاقات المصرية الروسية أحد المسارات التي يمكن من خلالها توسيع التعاون مع الدول الأفريقية، شريطة ربط الاتفاقيات والمشروعات باحتياجات الأسواق الأفريقية، وتعزيز فرص تبادل الخبرات والاستثمارات.

 

مصر والقمم الروسية الأفريقية.. شراكة تتجاوز الأطر السياسية

 

من سوتشي إلى سان بطرسبرج ثم موسكو، عكست القمم الروسية الأفريقية مسارًا متواصلًا من الحوار بين روسيا والدول الأفريقية، مع اتساع الاهتمام بملفات التنمية والتجارة والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا.

 

وفي هذا السياق، برزت المشاركة المصرية بوصفها جزءًا من جهود تعزيز العلاقات بين الجانبين، ودعم التعاون الاقتصادي والتنموي، وطرح القضايا المرتبطة بأولويات القارة الأفريقية.

 

ومع انتهاء أعمال القمة الثالثة في موسكو، تبرز أهمية الانتقال من إعلان المبادئ والتفاهمات إلى التنفيذ الفعلي، من خلال مشروعات واضحة، وجداول زمنية محددة، وآليات متابعة تضمن تحقيق نتائج قابلة للقياس.

 

فنجاح الشراكة الروسية الأفريقية لا يتوقف على انعقاد القمم أو صدور بياناتها الختامية، بل يرتبط بقدرتها على تحسين فرص التنمية، وتعزيز الاستثمارات، وفتح آفاق اقتصادية جديدة أمام شعوب القارة

اترك رد